قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أثير منذ عقد من الزمن الكثير من الجدل حول احتياطيات الغاز شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث يدور هناك حالياً صراع مرير يهدد الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الجميلة والهادئة نسبياً، مما يطرح سؤلاً مهماً حول كمية وأهمية احتياطيات الغاز وطبيعة الصراع الدائر حوله، خصوصاً أن بعض وسائل الإعلام بالغت كثيراً في أهمية هذه الاكتشافات لأسباب الإثارة.
من ناحية المبدأ، تعتبر هذه الاكتشافات حيوية لاقتصادات دول شرق المتوسط، كمصر وسوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل وقبرص وتركيا واليونان، إلا أن تعدد الأطراف المحيطة بهذه الاكتشافات وكمية الاحتياطيات لا تستدعي كل هذه الضجة التي ربما لها مآرب أخرى سنوضحها لاحقاً.
ولنلقي نظرة على الأرقام التي تثبت ذلك، فكمية احتياطيات الغاز المكتشفة تبلغ 3.45 تريليون متر مكعب، إضافة إلى 1.7 مليار برميل من النفط! وذلك وفق مركز الأبحاث الجيولوجية الأميركي، مما يشكل 1.8% من احتياطي الغاز العالمي، مقابل 48.7 تريليون متر مكعب احتياطيات الغاز الروسية، بل إنه لا يقارن باحتياطيات تركمانستان البالغة 17.5 تريليون متر مكعب والتي تحتل المرتبة الرابعة عالمياً، إلا أن ذكرها نادراً ما يأتي في وسائل الإعلام.
ربما يتم الكشف عن احتياطيات أكبر في المستقبل، وهذا أمر وارد في العديد من مناطق العالم، وليس في المتوسط وحده، إلا أننا نتحدث عن الأوضاع الحالية وفق آخر الاكتشافات والتي ستتيح أساساً لدول شرق المتوسط تلبية احتياجاتها الداخلية من الغاز، وهذه قضية مهمة بالنسبة لها دون شك، كما سيتيح تصدير كميات أخرى متواضعة، كما هو الحال حالياً مع مصر وإسرائيل، بدليل أن الأخيرة تصدره عن طريق مصر التي تملك معامل تسييل الغاز وتعد أكبر منتج له من بين هذه الدول، في حين تحاول إسرائيل مد خط أنابيب تصدير إلى أوروبا، إلا أن هناك العديد من المصاعب اللوجستية والجيوسياسية التي تعوق ذلك.
أما بقية البلدان، كقبرص التي اكتشفت الغاز في مياهها عام 2011، وكذلك لبنان وفلسطين في بحر غزة، فإن الخلافات الحدودية حالت وتحول دون بدء عملية الإنتاج، في حين تعرقل الحرب في سوريا هذا التوجه، وتحاول تركيا من جانبها بدأ عملية الإنتاج رغم الصراع مع جيرانها حول الحدود البحرية المتنازع عليها.
من ذلك، نجد أن هناك 8 دول تتنازع هذه احتياطيات المحدودة حتى الآن، مما يشير إلى أن هناك قضايا أخرى تدور خلف الكواليس تتعلق بإمكانية تحقيق اختراقات ومكاسب جيوسياسية، إضافة إلى المكاسب الاقتصادية التي ستحقق من خلالها الاكتفاء الذاتي لاحتياجاتها من الطاقة، ومن الغاز الطبيعي بصورة أساسية. في هذا الصدد، تحاول إسرائيل إعادة رسم حدودها البحرية مع لبنان وقطاع غزة بفلسطين، كما أن هناك خلافات حول أحقية امتلاك الجزر المتناثرة في بحر إيجة والتي وزعت وفق معاهدة لوزان لعام 1923.
إضافة إلى ذلك، اشتدت المنافسة والصراع السياسي بين بلدان شرق المتوسط، وبالأخص بين مصر وتركيا وبين الأخيرة واليونان، وكذلك بين إسرائيل ولبنان، مما استدعى توقيع اتفاقيات تجاوزت قانون البحار الدولي، وأدت إلى تقاطع المصالح على شكل حرف (X) مما ولد المزيد من التضارب، وفتح أبواباً أخرى للصراع، وحشد البوارج والسفن الحربية والتي تنذر بعواقب لا يمكن التكهن بعواقبها.
إذن هناك صراع مصالح جيوسياسي أكثر منه صراع اقتصادي على مصادر متواضعة من الغاز والنفط والتي يمكن استغلالها بصورة مشتركة ضمن اتفاقيات لتقاسم الإنتاج، كما هو الحال في الكثير من مناطق العالم، بما فيها بين دول متنافسة، إلا أن مثل هذا التوجه العقلاني لا تتضح له آفاق في المستقبل القريب، مما يعني المزيد من الانقسامات والصراع الذي ربما يصل إلى حد الصدام المسلح.

*مستشار وخبير اقتصادي