قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تزدهر مع تنامي وصعود فكرة حياد لبنان كفكرة تستهوي وتشد عميقا حصيلة التجربة التعددية اللبنانية، ولديها جمهور واسع بين النخب السنية والشيعية والدرزية، ناهيك أصلا عن النخب المسيحية كما لم يكن لها في أي وقت سابق من القرن المنصرم، تزدهر حاليا مع الأسف ظاهرة انفلات التصورات الخرافية لتاريخ لبنان (على التلفزيونات) ليس فقط بما يعيدنا إلى سجالات عقيمة عن هويات قومية مفترَضة بل أيضا إلى ما يجرح قيمة النضج الجَماعي الذي باتت عليه التجربة اللبنانية في وعيها النخبوي التعددي ويعيق تقدمها الفوق أيديولوجي الذي يدعم نزوعها الحيادي.
لنعترف أنه من الصعب "مركزة" التعبيرات السياسية وأيضا من الصعب منع شطَطِها بما فيها الثقافية. شراسة الصراع السياسي تفتح الطريق واسعاً نحو تعبيراته . ف "حيادية " الترميز الماروني تسير جنباً إلى جنب مع تصورات عن "العدالة" الشيعية و"الاعتدال" السني يبذلها اللبنانيون في طوائفهم المختلفة إذا دعت الضرورة السجالية على مذبح التبريرات الجماعية التي تحاول أن تضع حدودا لمصطلحات لا حدود لها.
على أن نتوء جميع الخرافات لا يمنع تطابقيّتها. التطابقية هي هنا انخراط كل البيئات السياسية اللبنانية في استحضار أو استحداث الرمز الذي يلائم نزوعها أو نزوع بعضها. هذه الأيام عاد الأمير فخرالدين المعني ليلعب دوراً في الحاضر الممزَّق والممزِّق.
ما هي ضد النضج الجَماعي الذي تحدثتُ عنه في مقالي الأخير (أجراس النضج الجَماعي تقرع)، العودة المحمومة للبحث عن "تاريخية" لبنان وفي المقدمة يعود و الأدق يُستعاد الأمير الذي تدل الصور المفترَضة له أنه قصير القامة، والذي اشتهر على فكرة حديثة العمر ( أربعة قرون فقط!) أنه أقام إمارة لبنان على رقعة هي الأوسع ل" الدولة" اللبنانية منذ الممالك الفينيقية المتعددة الدول قبل المسيح.
يعيد الحياد اللبناني تظهير صورة فخرالدين مع أنه غير محايد. فهذا الأمير الجبلي الذي كان واحدا من أبرز وجوه ظاهرة تكوينية في العهد العثماني وهي ظاهرة تمرد أمراء إقطاعيين محليين على المركز الأمبراطوري، أو بما هو أصغر حجما وأكثر فرعيّةً على مركز الولاية (في دمشق)التي تتبع لها مناطقُ نفوذه، هذا الأمير الجبلي ستجعله مصادفةُ وجوده مع بدء سعي دول عصر النهضة الأوروبية إلى بناء علاقات مع الشرق العثماني، رمزا لاحقا لانفتاح لبنان على الغرب والثقافة الغربية. لا نعلم حتى اليوم الحقيقة من الوهم في ما حوّلَهُ مؤسسان ثقافيان لامعان للفكرة اللبنانية هما فؤاد أفرام البستاني وسعيد عقل إلى مسرح رحب للأمير فخرالدين على حصانه الأبيض الذي سيغزو جميع المدارس الحكومية الآخذة بالانتشار سريعا في مدن وأرياف المسلمين في "لبنان الكبير" والذي ستجعل مخيلةُ سعيد عقل من نظرته إلى فرسانه نظرةً ليست أقل رهبةً من نظرة نابوليون إلى فرسانه:
كأنما عبسةٌ من حاجبيهِ طغَتْ
فعادتِ الخيلُ كالفرسان تبتسمُ
هذا اللبنان، أعني الكيان والتكوين، لا النظام والدولة الخَرِبة، سواء كان موجودا في التاريخ السحيق أو لم يكن موجودا، هو موجود كحقيقة جغرافية توراتية ومسيحية وملهمة أدبيًا في بعض الشعر العربي الكبير.
المسألة العميقة التي آن الأوان، وقد آن منذ زمن طويل، أن يطرحها النضجُ الجَماعي للنخب اللبنانية هي أن التمسك بلبنان لا يجب أن يكون مرتبطاً بمدى تاريخيته. وطنيتنا لا ينبغي أن تصنعها خرافات ومبالغات متداخلة ومرَضيّة. فما هو قائم في التكوين والبنية والتطلعات "يكفي" لتبريره. الانتماء للدولة والعيش اللائق المشترك تختصرهما فكرةُالوطنية الدستورية. الفكرة الهابرماسية التي استحوذت على التفكير السياسي المعاصر وجعلتها التجربةُ التوحيديةُ الأوروبية مفهوماً عمليا وفعالا. لا نريد أن نتعاقد على ماضٍ قسري وخرافي بل على مستقبل عقلاني وحداثي.
نجا من زلزال مرفأ بيروت "تمثال المغترب" الموجود في الهواء الطلق على مستديرة محاذية تماما للمرفأ ومدينته المنكوبَيْن. هذا التمثال هو رمز لبشر مجهولين ومعروفين في الوقت نفسه. أقرب إلينا من ف. وص. وي. وج. وخ.وب. وغيرهم من أبطال حقبات مختَلَف عليها ولا تزال تدير حياتنا.
نجت تماثيل بيروت في الشوارع المجتاحة ولم ينج الكثير من الناس في داخل منازلهم الذين كانوا يظنونها محصّنة. أنين الموت يعلو على أي صوت في النكبات. مع ذلك تقاس عظمة المدن بتماثيلها أيضا. ذات يوم سيكون لزلزال المرفأ نصب تذكاري في بيروت. ربما على مدخلها البحري مثل تمثال الحرية في نيويورك. لكن تمثال المغترب صار ناطقا كرمز لموجات جديدة بادئة وآتية من لبنان إلى الخارج. عمر أبو ريشة سأل معبدا هنديا بتماثيل آلهته المهيبة:
من منكما وهب الأمانْ
لأخيهِ أنتَ أمِ الزمانْ
في الحقيقة يعود فخرالدين ليجد نفسه وحده مسالماً بين ثلة من " الأبطال"، بعضهم حي، متقاتلين متناكفين حتى لو أن مشانقهم عُلّقت مراراً في ساحات وغى قديمة حقيقيّة أو موجودة فقط في رؤوس تلامذة المدارس الابتدائية المتزايد فيها تعليمُ التاريخِ كتعليمٍ ديني، بفعل تزايد المدارس الطائفية.
لا أمان في بيروت.