قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نعرف الكثير عن الموسيقيّ العظيم وعازف البيانو، فريديريك شوبان F. Chopin، وعن ليلياته Nocturnes التي اشتُهر بها في العشرينيات حتى الأربعينيات، من القرن الـ19، ومازوركاته Mazurkas (موسيقاه ذات الأصول البولونية الراقصة)، لكن القليل منا يعرف القصة التي أعقبت وفاته، والتي يمكنها أن تتحول إلى فيلم أو عمل روائي مميز، فقد عاش قلبه قصة غريبة لا تصدق بسهولة، وكأنها تنتمي إلى القَصص الخرافية التي كنا نسمعها في طفولتنا من جداتنا، قصة امتزجت فيها الموسيقى والأساطير بالوطنيات القديمة والهويات، بالحروب وأمراض العصر، بالخصوص وباء السل الذي قتل الملايين، وربما كان وراء وفاة شوبان لأنه أصيب به في وقت مبكر.

لم يعش شوبان أكثر من 39 عاماً، جزء منها في العزلة والمرض الذي حرمه من عيش حياة عاطفية طبيعية، قصته مع الفرنسية جورج صاند التي انتهت إلى فراق حزين، لكنه عاش هذه العزلة موسيقياً مرموقاً، ولم تعطله عن الإبداع والشهرة العالمية إذ كان مصدراً للكثير من الموسيقيين العالميين، انطفأ في باريس في 17 أكتوبر 1849.

ونظراً لكونه شخصية غير عادية، فقد أثار موته جدلاً كبيراً، لكن أغلب الآراء أجمعت على أن سبب الوفاة هو وباء السل المنتشر وقتها على نطاق واسع، ففي الليلة التي سبقت وفاته، صرح لأخته لودفيكا، أنه يشعر بحرقة في قلبه، وبالاختناق، تأوَّه طويلاً قبل أن يستسلم للموت، دُفن بعدها في مقبرة بير لاشيز Père Lachaise المعروفة، التي تشبه متحفاً للأموات.

قررت أخته التي كانت تحت تأثير الوطنية البولونية، أن ترجع قلبه إلى بلده الأصلي، بولونيا.. نزعته، ثم وضعته في صندوق زجاجي من الكريستال، ملأته بالكونياك، أغلقته بإحكام بحيث لا يتسرب له الهواء.. في فرصوفيا، خبأته تحت أحد أعمدة كنيسة سانت كروا Sainte-croix، بقي هناك إلى سنة 1944، حينما سرقه أحد ضباط ألمانيا النازيين السريين SS، كان عاشقاً لشوبان وعازفاً على البيانو، في الهجوم النهائي على مدينة برلين، عثر عليه الجيش السوفياتي، في بيت الضابط السري بالصدفة، وأعيد إلى مكانه الأصلي، في كنيسة سانت كروا.

ونُسي هناك طويلاً في قبو الكنيسة، إلى أن تفطن له فريق طبي برئاسة البروفيسور مايكل وايت Michael Witt، وقرر فحصه دون إخراجه من مكانه، بوسائل إشعاعية متقدمة جداً.

لاحظ الطبيب وفريقه بعض الآثار البيضاء، وأليافاً وتمزقات صغيرة، تدل بشكل لا يدع مجالاً للشك، على أن موت شوبان سببه التهاب حاد لغشاء القلب، سبّبه وباء السل الذي أصاب الرئتين، فخربهما ومعهما القلب، الغريب أن الصدف مجتمعة جعلت من هذا القلب شيئاً خرافياً لا يصدق بسهولة.

أي رحلة مدهشة لقلب لا يموت، أجمل من نهايته العادية، وربما أجمل حتى من الحياة التي عاشها مريضاً، الذي لا يعلمه الأطباء، هو أن قلب شوبان ليس في علبة الكريستال، ولكن في صدور الملايين من عشاقه.