قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

استدار الكثير نحو الليبرالية، بل تسابقوا في الهرولة باتجاهاتها باعتبارها طوق نجاة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والعديد مما أطلقنا عليه بلدان «التحرر الوطني» بل إن الكثير منهم اندفع في «طلاق بائن» بينه وبين الماضي سواء كان الأمر على نحو معلن لدرجة المبالغة والمغالاة، أم على نحو مستتر وغير معلن بالتساوق مع مشاريع خارجية تزعم أهمية دور «العامل الدولي» في قضية «التغيير نحو الديمقراطية» ولعل أوساطًا عديدة حين تتساوق مع الليبرالية الجديدة ومشاريعها السياسية تبرر ذلك بمفاهيم قديمة حول الليبرالية الكلاسيكية في حين ثمة اختلافات وفروق شديدة بينهما.

هذا الكلام جاء ضمن دراسة للباحث والمفكر العراقي المستنير عبدالحسين شعبان عنوانها «حين يراد إخضاع الفلسفة للسياسة الليبرالية والليبرالية الجديدة» يرى فيها إذا كانت الدعوة إلى الحريات وإعلاء قيمة الإنسان التي مثلتها الليبرالية الكلاسيكية قد استهوت نخبة وطنية في بلداننا فإن أطروحات الليبرالية الجديدة، وشعاراتها بدت متعارضة مع شعوب وتطلعات بلدان المنطقة الهادفة إلى التحرر من الاستبداد الخارج ومن صدمة الاستعمار التي ما تزال تأثيراتها مستمرة، فضلاً عن الرغبة في تحقيق التنمية المستدامة وبما يؤمن لها السير في طرق التقدم والرفاه.

وعلى الرغم من الليبرالية الجديدة لم تخفِ وجهها المتوحش منذ البداية إلا أنها كانت أكثر سفورًا وهمجية بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة والتي من نتائجها احتلال أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، وكان من تعبيرات الليبرالية الجديدة إزاء منطقتنا طائفة من المشاريع الأمريكية، مثل «الشرق الأوسط الكبير» و«الشرق الأوسط الجديد» فضلاً عن دم «إسرائيل» في استراتيجيتها التوسعية الاستيطانية في إطار ما يسمى بصفقة القرن.

فإذا كان ثمة من يعتقد أن المشاريع الأمريكية تعتبر منقذًا من قوى الظلام والتخلف، فإن الإسلاميين في العراق تناسوا الحديث عن «الشيطان الأكبر» وأصبحت واشنطن حليفًا وصديقًا استراتيجيًا طالما أوصلتهم إلى منصات الحكم، وهو ما ينطبق أيضًا على الاخوان المسلمين في مصر إبان حكم محمد مرسي عندما ارتفعت موجة الليبرالية الجديدة بعد انهيار القطبية الثنائية وانهيار الاتحاد السوفيتي وحدوث تغيرات في نظام العلاقات الدولية، بتسيد وهيمنة الولايات المتحدة كلاعبٍ أساسي في العلاقات الدولية، فإن السؤال الذي يطرحه الباحث احتدم النقاش حوله وارتبط مع هبّة المطالبة بالحريات في منطقتنا، والتي سعت الولايات المتحدة إلى تخصيص مبالغ وإقامة مؤسسات لدعمها والتربية عليها، وذلك تحت عنوان الليبرالية والتغيير نحو الديمقراطية هو هل هناك علاقة بين الليبرالية الكلاسيكية وبين الليبرالية الجديدة أم ثمة تعاكس وتعارض بينهما؟.

في هذا الصدد، يحدثنا عن نجاح الليبرالية في إقامة نظام برلماني يستند إلى المبادئ الديمقراطية وتشجيع الإبداع العلمي والثقافي والفني والأدبي، في مواجهة سطوة الفكر الخرافي والشعوذات التي امتازت بها القرون الوسطى والتأكيد على العقلانية والعلم وأولية حرية الفرد في مواجهة الدولة.

أما الليبرالية الجديدة التي لا يمكنها اليوم كونيًا تجاهل المطالب الشعبية مثل الحد من البطالة وتأمين مستلزمات الصحة والتعليم وقضايا التقاعد والضمان الاجتماعي، كل تلك التي تتطلب تدخل الدولة هو ما واجهته الولايات المتحدة بشكل خاص والبلدان الرأسمالية الغربية بشكل عام في الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت العالم (2008 – 2009) ومازالت تأثيراتها مستمرة، وهو ما فرض «تدخل الدولة» إزاء انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة بالضد من الليبرالية الكلاسيكية الأولى التي كانت تريد المزيد من الحريات بوجه تغوّل الدولة.

وهنا يشير على سبيل المثال إلى الرئيس أوباما الذي أصدر قانون التأمين الصحي الذي جاء الرئيس ترامب بإلغائه!.

ويذهب الباحث إلى إيضاح ذلك بشكل واضح وجلي إلى تدخل الدولة بقضايا العلاقات الاقتصادية والتجارة الدولية، وقد برز الأمر على نحو أشد في الصراع الأمريكي – الصيني الذي زاده حدة تفشي وباء كورونا في مطلع العام الجاري.

من ناحية، يعتقد أن الرأسمالية دخلت مرحلة جديدة في الخمسينات والستينات وكان أهم ملامحها «الحد من الليبرالية المطلقة» وتحديد الدور الذي تلعبه الدولة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي استنادًا إلى نظرية الاقتصادي الشهير «كينز» حول النقود الذي تنبأ باستحالة تجنب الرأسمالية من الوقوع في الأزمات الاقتصادية على غرار أزمة الكساد 1929 – 1933 إلا إذا لعبت الدولة دور الموازن الموضوعي بين قوى الطلب والعرض وهو ما عرف «بدولة الرفاه» ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع السبعينات حين اندلعت أزمة جديدة.

لكن النظام الرأسمالي – وفق تحليله – ومن خلال آليات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تمكن من مواجهة أزماته من خلال محورين:

الأول: داخلي باتباع سياسة ليبرالية جديدة تراهن على إضعاف دور الدولة بما يعني التراجع عن النظرية الكينزية.

الثاني: يسعى إلى ضخ الأموال الفائضة على البلدان النامة بضمانات كافية بالتخفيف من حدة التضخم وإعادة احتواء البلدان النامية والسيطرة على أوضاعها الاقتصادية.

وبعد مرور أكثر من قرنين من الزمان ترافق الحديث عن الليبرالية الجديدة بصعود رونالد ريغن في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في بريطانيا في عقد الثمانينات بتعميق الفوارق الطبقية وزيادة نسبة الفقر!.

ويشدد الباحث في هذا السياق على أن إخضاع الفلسفة للسياسة وهو منهج الليبراليين الجدد أفقد الفلسفة الليبرالية أي بعد فلسفي لدرجة لم يعد مفهوم الليبرالية الذي يدعون له على علاقة بالليبرالية الكلاسيكية، والأمر سيان سواء الليبرالية الجديدة الأمريكية والغربية اليمينة، الشعوبية العنصرية، أم دعاة الليبرالية الجديدة في مجتمعاتنا حتى وإن تغلفت بمهمة الوقوف ضد الاستبداد، فمثل هذه المهمة النبيلة لا ينبغي أن تتوافق مع الاستتباع وقبول الطغيان الخارجي بزعم التخلص من الاستبداد الداخلي، وهو (ما راهنت عليه الأحزاب الدينية الطائفية في العراق).

ولعل النقد الأساسي الذي يواجهه الليبراليون الجدد، ولا سيما في بلداننا هو عدم الربط بين الحرية وضرورة التحرر، وبين الممارسة الديمقراطية والتنمية للارتقاء بحاجات المجتمع وخصوصًا من الفقراء والمعدومين فضلاً عن ذلك أن استمرار الولاءات العشائرية والقبلية والطائفية الدينية، أي ما قبل الدولة يقف حائلاً أمام الفكرة الليبرالية بمعناها الكلاسيكي.