تعد إشكالية التطبيع العربي مع إسرائيل من أعقد الإشكاليات السياسية والإثنية، التي يشهدها التاريخ المعاصر، ومن الصعب جداً تصور حصول توافق بين الشعوب العربية وبين أنظمتها بخصوص هذا الإشكالية وفق المنطق الذي تدبره أمريكا وتدعو إليه، ذلك لأن هذه الشعوب تحمل، أنثروبولوجياً، جرحاً وجدانياً استفحل تعفنه بفعل الأذى التاريخي، الذي عمقته التواطؤات التاريخية بين أمريكا وإسرائيل ضد العرب.

لذلك ما ينبغي الاحتفاظ به أن هذا الجرح بكل ما يرمز إليه، هو الذي يحكم تاريخ هذه الإشكالية، ويوجهها أكثر مما تحكمها السياسة والدبلوماسية مع ما يصدر عنهما من مواقف واتفاقات.

وعليه، كل تطبيع يخرج عن لَأْم الجُرح وبرئه، لا يخلو من أحد الأمرين، إما خلق توتر بين الأنظمة وإرادة شعوبها، وهذا له كلفة ثقيلة على الاستقرار الداخلي، أو وقوع الأنظمة المُطبعة في أحبولة المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي الرامي إلى الهيمنة على المنطقة، وتحولها إلى أداة، ومن ثمة إرغام هذه الأنظمة، بعد توريطها، على تقديم تنازلات تستفرغ سيادتها بالتدريج.

لنا في تاريخ التطبيع العربي مع إسرائيل أمثلة ناطقة إذ لم ينتج عن هذا المسلسل التطبيعي أي إنصاف للقضية الفلسطينية، إذا ما استثنيا إقامة سلطة وطنية على جزء من الأرض الفلسطينية بعد توقيع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو مع إسرائيل عام 1993، وتحرير مصر لسيناء بعد توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 بشكل منفرد، وتحقيق الأردن، في اتفاق مماثل عام 1994، بعضاً من المكاسب، وإن كانت إسرائيل لم تلتزم بمواثيق هذه الاتفاقات التطبيعية في الجوهر، بل واصلت غطرستها وممارساتها التوسعية.

ما ينبغي التأكيد عليه، رغم ما تحقق للدول المُطبعة، أن إسرائيل تاريخياً لا تفهم التطبيع كحل سياسي لإنصاف الفلسطينيين وتحقيق العدالة، ولا تفهمه كشراكة سياسية مع الدول العربية المُطبعة لإحداث السلام في المنطقة وتوفير أجواء سليمة للعيش المشترك، وإنما تفهمه كاعتراف بتفوقها وبصهيونيتها وإرادتها الاستيطانية المنسجمة مع طموحها السياسي والإثني في المنطقة العربية كاملة.

أما عن اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، الذي يدخل في سياق جديد تحدده مخاوف مشتركة أمام النفوذ الإيراني في المنطقة، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية المرتقبة، فهو يخضع في النهاية لمنطق ميزان القوى الذي يفرض على الإمارات تحديد نوع واضح من العلاقات مع إسرائيل وأمريكا، والاشتغال بمنطق التحالف مع عدو العدو انحيازاً للمصلحة الوطنية مهما كانت ضريبة هذا التحالف ثقيلة على مستوى الوجدان العربي المشترك.

ولئن كان قرار الإمارات سيادياً دفع بدول عربية وأجنبية كثيرة إلى تأييده ودعمه، وببعض الدول العربية كالمغرب إلى عدم الإدلاء بأي موقف رسمي، فإن جملة من الأسئلة تُطرح هنا من أهمها: هل ستلتزم إسرائيل بمخرجات اتفاقية التطبيع، خاصة فيما يتعلق بتجميد إسرائيل خططها لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة، كما ورد في البيان المشترك؟ أليست حماسة ترامب في احتضان هذه الاتفاقية، وما سيأتي من اتفاقيات مرتقبة، مجرد تكتيك انتخابي لحشد دعم اللوبي اليهودي في أمريكا؟