قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من الطبيعي أن يكثر الحديث عن الأوضاع الأميركية ومآلاتها مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الكبير في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، وقد بدأت الصحافة العربية والتلفزيونات تخصص وقتاً أطول لمناقشة ذلك الحدث على خلفية أن القادم إلى البيت الأبيض والأغلبية التي سوف تحتل الكونغرس الأميركي لأيٍّ من الحزبين سوف تؤثر في سياق السياسات في الشرق الأوسط. من جهة هناك أمل من البعض في عودة الجمهوريين، خصوصاً الرئيس الحالي دونالد ترمب إلى السلطة، وهناك تخوف من جهة أخرى من وصول جو بايدن. بعض التعليقات ترى أن هذه العودة سوف تعيد من جديد سياسة أوباما وخصوصاً تجاه ملفين أساسيين لم تكن سياساته موفقة حولهما؛ الأول هو الموقف من إيران، والآخر الموقف من تمكين بعض القوى المحافظة من الوصول إلى السلطة في الرقعة العربية كما فعلت إدارته في أثناء وبُعيد ما عُرف بحراك الربيع العربي. تلك الفرضية الثانية والقائمة على التخوف أو حتى الأولى الراجية عودة الجمهوريين، كلتاهما تقف على أرض رخوة من المعلومات واعتماد التحليل التاريخي فقط تجاه الملفات في الشرق الأوسط، متجاهلين أن هناك مياهاً كثيرة قد جرت في سياق السنوات الأربع الماضية أثرت في مجمل المشهد، من جهة سياسات إيران التنمرية، أو من جهة فشل معظم ما توقع من الربيع العربي. لا الجانب الأميركي كما يبدو يعرف أو يفهم ما يجري من تفاعل للكثير من العناصر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والعكس بالعكس في الجانب العربي، كلٌّ يأتي إلى المشهد محمَّلاً بخلفيته وبمنهجه في التحليل وتحيزاته المسبقة.
شاهد على العلاقات الأميركية العربية والخليجية الحديثة هو المرحوم غازي القصيبي في كتابه «الوزير المرافق»، حيث شهد في فترات مختلفة العلاقات العربية - الأميركية عن قرب، وليس المقام الإسهاب بل الاختصار، فهو يرى أن المعرفة الأميركية بالجانب العربي ضعيفة وفي أعلى المستويات، حيث يقول: «زار السيد نيكسون في آخر حكمه عام 1974 المملكة العربية السعودية، وفي الحفل الذي سوف يلقي فيه كلمته كاد يخطئ بين اسم مضيفه المرحوم الملك فيصل، وفيصل الثاني (ويستدرك لولا حصافة المترجم) وقد أسرّ له أحد المرافقين الكبار وقتها بأن نيكسون سوف يكمل فترته الرئاسية ولن يضره ما يثار حول فضيحة ووترغيت، ولكنه استقال بعد أسابيع»! وفي مكان آخر وفي حفل غداء في البيت الأبيض ينقل لنا القصيبي أنه كان قرب أحد أعضاء مجلس الكونغرس المهمين. قال له العضو إنه كان هنا في هذه القاعة الجميلة عندما زار شاه العراق البيت الأبيض، فردّ غازي: «تقصد شاه إيران؟!»، قال العضو: «لا أعرف شاه إيران محمد رضا بهلوي، ولكني أقصد شاه العراق»! ينتهي غازي بما جُبل عليه من سخرية فيقول: «قد يكون السبب في الخلط أقداح النبيذ الأبيض الذي تناولها العضو!».
في التاريخ الحديث نستطيع أن نرصد الكثير من هكذا سوء فهم أو نقص معلومات بل وأخبار كاذبة لصورة الطرفين، وهو ربما شيء قريب إلى الطبيعي. فقد كرر الرئيس ترمب مؤخراً وهو يستقبل بعض القادة من الشرق الأوسط الكثير من المعلومات الخاطئة، حياء الضيف أبعده عن تصحيحها! الولايات المتحدة بلاد كبيرة ولها مصالح واهتمامات ضخمة حول العالم، وفي العقود الأخيرة التهت بمشكلات داخلية اقتصادية واجتماعية تكاد توصلها إلى حافة التصدع، كما أنها شجعت سياسات في مناطق كثيرة انتهت بكوارث، كما حدث في حملة مقاومة التدخل السوفياتي في أفغانستان، وأخيراً التدخل في العراق، بل حتى في أثناء أحداث «الربيع العربي».
رسائل هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في العهدة الأولى لباراك أوباما، والتي انطلقت أخيراً في الفضاء السيبري، أثارت من جديد زوبعة للمتعجلين في تفسير ما تعنيه تلك الرسائل، وأضافت تخوفاً جديداً من وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض؛ فسوف يتكرر – في رأيهم - ذلك الموقف الذي يراه البعض فوضوياً. الاقتراب العقلاني من فترة أوباما تجاه الشرق الأوسط يحتاج إلى معرفة عاملين؛ الأول أن الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد حدثين أحدهما اقتصادي والآخر سياسي، الأول القدرة على الوصول إلى اكتفاء ذاتي من الطاقة من خلال التقنية الحديثة والنفط الحجري، والآخر التورط في حرب شبه أهلية في العراق بعد الغوص في وحل أفغانستان، ما دفع الإدارة إلى صرف النظر عن التدخل الواسع والنشط في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد أن وجدت الإدارة أن المشكلة الأساس (الموضوع الفلسطيني) قد وصلت إلى طريق مسدود. من هنا فقد فاجأت أحداث الربيع العربي الإدارة الأميركية وحتى منصات التفكير في واشنطن، هذه المفاجأة أربكتها وجاء من يقول إن الحفاظ على شيء من الاستقرار هو السماح أو تشجيع أو غضّ طرف لقوى الإسلام السياسي للوصول إلى الحكم! على قاعدة أنهم أقرب إلى (الاعتدال) وقادرون، خصوصاً في دول الثقل العربي، على تسويق (صلحٍ ما) مع إسرائيل تحت شعارات دينية، هذه الفكرة حتى في عهد ترمب ما زالت قائمة وإن كانت وراء الأفق. على تلك الخلفية تفاعلت الإدارة الأوبامية مع الأحداث، ولم يكن لها خطط أخرى متاحة. الولايات المتحدة في مناطق كثيرة تستطيع أن تربح حرباً مباشرة بين جيشين منظمين، ولكنها في الغالب لا تستطيع أن تخوض حرباً أهلية طويلة في أماكن بعيدة أو حتى قريبة إلى حدودها كما حدث مع كوبا، وهي تستطيع «العقاب الاقتصادي» أما التأثير السياسي فمشكوك فيه. من هنا فإن القول الأقرب إلى المنطق أن الإدارة القادمة حتى لو كانت ديمقراطية سوف تموضع نفسها مع قدرة اللاعبين المحليين، ومع مصالحها التي ما زالت فاعلة على رأسها التنسيق في سياسات الطاقة، وهي هنا لا تستطيع أن تتجاوز المملكة العربية السعودية، فمن المعروف لدى الخبراء في سياسات الطاقة أن هناك ثلاثة لاعبين على المستوى العالمي في هذا المجال: الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والمملكة العربية السعودية، إلى جانب أن التنافس الصناعي التجاري مع الصين يجعل من أسواق الشرق الأوسط «جواداً» مهماً في لعبة الشطرنج التنافسية المقبلة وخصوصاً بعد جائحة «كورونا» التي ضربت الاقتصاد العالمي في مقتل، من هنا فإن «التفاؤل أو التشاؤم» من نتائج الانتخابات الأميركية مبالَغٌ فيه وقصور في القراءة. من المهم القول إن هناك تقصيراً عربياً وخليجياً بخاصة، في التفاعل مع سياسات الولايات المتحدة، فحتى إبان العداء المستحكم بين إيران مثلاً وبين الإدارة القائمة لم تألُ الأولى عن وجود «لوبي» فعّال يدافع عن مصالحها، بل إن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ضيف دائم على منصة مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، وغير ذلك من الأكاديميين والخبراء وحتى التجار ذوو المصالح مع إيران يسعون للشرح والاتصال، في حين تصحرت الساحة من تفعيل عربي وخليجي فعال على مسرح حجرات التفكير في واشنطن وذاك قصور نحتاج إلى علاجه.
أخر الكلام:
يخبرنا جون بولتون في كتابه «الغرفة التي وقع فيها الحدث» أن السيد ترمب يعتقد أن فنلندا جزء من روسيا، ولا يعرف أن بريطانيا قوة نووية!