قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل أيام أتم نجيب محفوظ 31 عاما على إعلان فوزه بجائزة نوبل، كان نجيب محفوظ أول المحذرين من تأثير الاشتراكية السلبي على المجتمع وكذبة العدالة الاجتماعية، وللأسف لم تلقَ نظرته الاستشرافية تلك صدى بقدر ما تلقى من اتهامات ضده بالزندقة والتكفير بسبب روايته (أولاد حارتنا) ووصفه بالانهزامي بأقذع الكلمات في داخل مصر وخارجها لأنه اقترح أن تنهج مصر طريق السلام مع إسرائيل بدلا من الحرب.

في رأيي أنه جعل الرواية أداته لشرح آرائه واستخدم لسان شخوصها لتعبر عن رأيه، مثل شخصية (طاهر) في رواية (قشتمر) الذي حذر من تأمين الشركات والمصانع وما سوف تكون نتائجها من ترهل إنتاجي وفساد إداري، وقدم حقيقة آراء المجتمع وتنوعه بين صفحات روايته بهدوء، مثلا في (حديث الصباح والمساء) عكس آراء المجتمع في الخمسينات والستينات من استياء نتيجة تبني نموذج يساري، وفي روايتي (ميرامار) و(المرايا) تحدث عن الفساد الإداري ونجاح الانتهازيين نتيجة نظام اقتصادي اشتراكي تمتلكه الدولة غير قائم على التنافسية.

كان من الكتاب الذين رسموا حقيقة النموذج اليساري وكذبة العدالة الاجتماعية في قالب شخصيات وروايات لدرجة أنه اتُّهم أن جرعة التشاؤم في روايته مبالغ بها، لكنه كان واقعيا، لكن للأسف كان ينظر لمخاطر مستقبلية لم يرها الكثير، مثلا رواية (ثرثرة فوق النيل) التي تنبأ فيها بهزيمة 67 والقائمة تطول لكن آخرها رواية (الحب فوق هضبة الهرم) التي أظنه فيها قرأ مؤشرات لثورة قبل حدوثها بعقود.

عموما في روايته غالبا دور الشخصية يكون مسيرا على حسب بيئته، وقدرة الشخوص على التغير والتطوير هامشية ومحدودة، شخصيًا برغم روايته وقصصه القصيرة المتنوعة والمختلفة والتي تعتبر من أفضل ما كتب في القرن العشرين من أعمال أدبية إلا أنه ليس فنانا بل مثقفا يجيد تقنية الكتابة الروائية التي عبرها أظهر استشرافه للمستقبل وفلسفته للواقع في قالب روائي، وعندما تقرأ مذكراته وتتعرف على حياته الحقيقية تكتشف أنه شخصية تخلو من أي رومانسية أو أي انحراف عاطفي قد يصيب الفنانين، بل إنسان منضبط منظم في وقته وعمله، عقلاني في آرائه وساخر في حديثه واكتفى من متع الدنيا بالجلوس على المقهى فقط.

مازلتُ أتذكر صورته وهو يحمل صحيفة الأهرام وهي تنشر على غلافها بأكبر عنوان (مانشيت) عن فوزه بالجائزة وهو جالس في مقهى شعبي يشرب الشاي بابتسامته الرائقة.. رحمه الله.