قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ما تزال ارتدادات اغتيال أستاذ التاريخ والجغرافيا الفرنسي سامويل باتي، تشغل الرأي العام الفرنسي، في جو عام حرر العنصرية من كل كوابحها من الناحية الإعلامية.

والاعتداء على الشابتين الفرنسيتين من أصول جزائرية، ليس بعيدا عن هذا المناخ العدواني الذي لا يفرق بين مسلم وإسلامي متطرف، أعاد إلى الواجهة سدنة العنصرية والطرد الجماعي من الأراضي الفرنسية، باستثناء جريدة لوموند، هناك بلاك أوت عن خبر الاعتداء على الشابتين، وهو ما يثير حفيظة جزء كبير من المجتمع الفرنسي لأن وضعا كهذا هو السرير الطبيعي للأحزاب المتطرفة التي جعلت من المغترب ورقتها الرابحة.

لا شك أن الجريمة الشنعاء ضد سامويل باتي كانت مرعبة، ويجب التفريق ههنا بين شيئين، بين الجريمة السياسية من جهة، التي يقف وراءها تطرف ديني أعمى، وجاهل، والإسلام في صورته المثالية المتعالية والإنسانية من جهة ثانية، الذي لا يقبل بالاعتداء على أستاذ، مهما كانت الأسباب المتخفية من وراء الجريمة (تدريس صور الكاريكاتور).

الإسلام السلمي والعقلاني موجود، وهو من أنار العالم في وقت الظلمة، هو من أنجب كبار مفكري التنوير العربي الإسلامي من أمثال عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع عالميا، ابن رشد الذي تنبه في وقت مبكر لمخاطر الفقهاء في استثمار الدين لمآرب سياسية وشخصية، والشيخ الأكبر ابن عربي الذي سحب الدين من سدنة القتل، ووضعه في قلوب الناس، وفي الدائرة الذاتية، كلحظة تنويرية حية، وكلحظة اقتراب من المثال الأسمى.

في الإسلام آيات أصبحت اليوم مقولات حية للعقل والسجال، لماذا لا يؤخذ بها: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل 125)، فالأديان في جوهرها الأسمى، ترفض مثل هذه الممارسات التي تنتمي لعصر آخر، وإذا ورد أي شيء عكس ذلك، في أي دين من الأديان، يجب رؤيته في سياقه ولا يمكن تعميمه خارج أسبابه المرتبطة بلحظة زمنية محددة.

النظرة إلى هذه الجريمة بوصفها ممارسة تضع كل المسلمين في دائرة الاتهام، لا يمكن قبولها، فهي تضع 6 ملايين مسلم (وهم إما فرنسيون مولودون في فرنسا، وإما مغتربون) في دائرة الاتهام بينما الغالبية تعيش دينها ذاتيا وبسلام، منغمسة في يومياتها القاسية، مع الحياة والبطالة والأوبئة المحيطة بها.

من هنا فتوجيه الأنظار نحو المسلمين La stigmatisation يخدم التطرف والتفرقة بين أبناء المجتمع الواحد في تعدده وغناه، وما يقدمه التطرف الإسلاموي من خدمات للتيارات اليمينية المتطرفة في فرنسا وأوروبا، لا تحصى ولا تعد بالخصوص في هذه الفترة التي بدأت فيها التحضيرات للانتخابات القادمة التشريعية والرئاسية؟

يكفي أن ننظر إلى عودة الحركات السياسية الأوروبية المتطرفة لندرك أن الأمر غير منفصل عن استثمار التطرف الديني الذي أصبح ورقة انتخابية رابحة.