قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مرّ عام على انطلاق «انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر)» مع عام كثير الأزمات والنكبات، من أزمة اقتصادية جامحة، إلى تراجيدية كورونا، إلى تفجير مرفأ بيروت.. إشارات كثيرة تنذر باستكمال تساقط الدولة بأركانها وسلطاتها في أيدي ما يسمى «محور الممانعة»!
جاءت الانتفاضة (أو الحراك، أو الثورة أو التحرك) في خضم هذه الظواهر والمآلات، فاخترقت من مساحاتها العديدة، ومن تواريخها بتظاهراتها المليونية، وتنوع مطالبها، وشعاراتها: «كلهن يعني كلهن» أو «الشعب يريد إسقاط النظام».. أو مطالبها: إسقاط حكومتين، والدعوة إلى حل مجلس النواب، وتأليف حكومة انتقالية، وقانون انتخابي جديد، وانتخابات مبكرة.. إلخ.
وتحمل هذه «المهمات» مواقف وأفكاراً وأحلاماً، تتواجه أكثر مما تتلاقى في حزمة واحدة، أو ضمن أولويات أي ضمن قيادة محددة تمثل هذه الانتفاضة وتقودها. وهذا بالذات ما منحها طاقة وقوة، لكن أيضاً ما زرع في دروبها عقبات ومشقات، أدت بعد عدة أشهر، إلى تقلصها ثم إلى غيابها، واستعادة بعض حضورها في بعض المناسبات المتقطعة.
وكأنما نقول إن تراجع الحراك نتج من الحراك فحسب ومن مسالكه، وممارساته، وعدم وضوح الرؤية عند مجاميعه. لكن إذا راجعنا قليلاً مراحله، نجد أنها حوصرت، كما سبق وقلت، بكورونا، ثم بتفجير المرفأ، ثم بالقمع المنظم الذي تعرضت له من القوى الأمنية (الملتزمة بالسلطة) وكذلك باعتداءات منظمة متكررة من جانب «الثنائي الشيعي» بالسكاكين والعصي، وإحراق خيمها ثم استخدام الرصاص الحي من قبل الجيش الذي صوب إلى صدورهم وعيونهم (ويقال أن حراس مجلس النواب هم الذين أطلقوا هذا الرصاص).
وهل يعني ذلك أن كل المتظاهرين الذين نزلوا بمئات الآلاف، وصلوا إلى الطريق المسدود، أو يئسوا من إمكانية تحقيق أحلامهم، أو -كما تشفى آخرون ونعوا هذه الانتفاضة- «لم يبقَ لها أثر»، وأنها مجرد فقاعة لشباب الإنترنت والوسائط الاجتماعية، وهي ليست أكثر من حماس شرائح من المجتمع لا تتمتع بالوعي اللازم، والثقافة المطلوبة، والتاريخ المجرب، بل يرى بعضهم أنها سقطت لأن المخابرات الأجنبية اخترقتها! هذا الاتهام الأخير روجته وسائل إعلام «التيار الوطني الحر» وجماعة «محور الممانعة»... بل اتهموا الحراكيين بأن لهم علاقة مع إسرائيل..! إنها تخرصات وزجليات احترفها مرتزقة الممانعة، في المحطات التلفزيونية وفي الصحف وفي البيانات، وفي أساليبهم التحريضية. لكن أياً تكن أسباب تراجع هذه الانتفاضة وخلوها من كل إنجاز، ونعتها بالفشل، يمكن أن نتوقف عند بعض ما حققته.
أولاً: إنها أول حركة احتجاجية تحاول أن تطوي صفحة عمرها مئة وستين عاماً من الحروب والممارسات المذهبية، إنها أول حركة تتمرد على كل الأحزاب والحركات التي سبقتها.
ثانياً: إنها أول حركة جماهيرية مدنية، تجاوزت إرثاً عريقاً من الخرافات والتواريخ الحزبية.
ثالثاً: إنها أول حركة جماهيرية تستمد قوتها من ذاتها، من دون مرجعيات برانية، أو خدمات تؤديها للخارج.
رابعاً: اخترقت كل المناطق وحطمت السدود الوهمية التي رفعتها الأحزاب الأيديولوجية والمذهبية على امتداد القرن العشرين فوحدت المناطق من صيدا وصور الجنوبيتين إلى كسروان، إلى بيروت وطرابلس.. حيث اختلطت الجماهير ربما لأول مرة من دون وسائط حزبية، بل بقوى وطنية سيادية حداثية ووجدانية.
خامساً: زلزلت للمرة الأولى الأرض تحت أقدام منظومات السلطة، وفضحت فسادها، من دون أن تتردد في المطالبة بسحب سلاح «حزب الله» وكل سلاح آخر، لمصلحة الدولة والجيش.
سادساً: تصدرت المرأة كل التظاهرات وواجهت القمع بشجاعة، متجاوزةً كل الأدوار السابقة لها.