قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ماذا أفاد موقف السودان من عدم التطبيع مع إسرائيل على مدى سبعين عامًا، وماذا سيضره تطبيعه معها الآن بعد هذا الانتظار الطويل، في ظل أجواء سياسية واقتصادية وأمنية عصفت بالسودان على مدى تاريخه منذ زعامة إبراهيم عبود بعد الاستقلال وإلى اليوم؟

* *

أجيب عن ذلك بأن السودان ظلَّ هو السودان، خلال الاستعمار وبعده، طبَّع أو لم يُطبّع، في موقفه وسياسته الداعمة لإقامة دولة للفلسطينيين، لكنه بعد التطبيع أمامه فرصة لمعالجة أوضاعه الاقتصادية الداخلية والانفتاح على العالم، لكن إسرائيل به وبدونه ستظل تنكر أي حقوق للفلسطينيين، وستظل متمسكة بأراضيهم المحتلة، تبتلعها بالتقسيط المريح، مستفيدة من الاسترخاء الفلسطيني، وغض الطرف العالمي عن أطماعها، ودون أي مقاومة حقيقية لاسترداد ما هو تحت سيطرة الاحتلال.

* *

الإمارات ثم البحرين سبقتا السودان في الاعتراف بإسرائيل، ومصر والأردن والفلسطينيون سبقوا الجميع (بفوز) الاعتراف بإسرائيل، فما هو الجرم في اعتراف السودان أو أي دولة عربية بالدولة اليهودية؟ وماذا لو لم تعترف هذه الدول؟ هل ستقبل إسرائيل بدولة فلسطينية تهدد أمنها واستقرارها وتزيلها من الوجود كما هي مطالب العرب والفلسطينيين؟

* *

حساسية الاعتراف بإسرائيل تجعل المعارضين أو المناصرين للقضية الفلسطينية في وضع من يتجاهل أن الاعتراف من عدمه لا علاقة له بالمطالبة بالحقوق المشروعة للفلسطينيين، وتحديداً بدولة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين، فالإمارات والبحرين والسودان وقبلهم مصر والأردن ما زالوا متمسكين بالحقوق الفلسطينية المشروعة، ويطالبون بها على الملأ حتى وهم في وضع من يعترفون بإسرائيل.

* *

إذاً فالحقوق المشروعة للفلسطينيين باقية حتى مع الاعتراف العربي بإسرائيل، وهي لا تضيع مع تقادم الزمن، حتى وإن كرَّس الاحتلال قبضته الحديدية على كل شبر من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالحق لا يسقط بالتقادم، ولا يضيع بالإنكار، ولا تخفيه القوة غير المتكافئة بتفوق المحتل، وسيبقى متوهجاً متى كان الفلسطينيون جادين وصادقين في تحرير أرضهم، بدلاً من شتم من يعترف أو حتى من لا يعترف من العرب بإسرائيل.

* *

أعجبني كلام رئيس السلطة الفلسطينية (أبو مازن) عندما قال: لا يحق لأي أحد أن يتحدث باسم فلسطين، وهو يعني في كلامه مَنْ اعترف بها من العرب، وإن لم يسمِّ دولةً بعينها، مع أنه يعرف أن أيًّا من العرب لم يقل ذات يوم أنه ينوب عن الفلسطينيين في الحديث عن دولتهم وعن حقوقهم المشروعة، وفي المقابل فإن العرب دون استثناء وبالوثائق والشواهد يدعمون إقامة دولة فلسطينية على أراضيهم المحتلة، وحاربوا أو ساعدوا ودعموا ذلك.

* *

أعرف أن رئيس السلطة الفلسطينية قال هذا في لحظة ضغوط عليه من بعض الفلسطينيين، إثر الاعترافات العربية المتتالية بإسرائيل، وأن ما قاله (أبو مازن) أخفَّ عبارة قيلت كردّ فعل مقارنة بما قالته بعض القيادات الفلسطينية التي شتمت -وببذاءة- الإمارات والبحرين والآن السودان، ناسين كل المواقف المشرِّفة لهذه الدول من الحقوق الفلسطينية ودعمهم لها.

* *

لقد سحبت السلطة الفلسطينية سفراءها من الإمارات والبحرين، وبعد أن يحسم مجلس النواب السوداني اعترافه بإسرائيل فسيكون التعامل مع السودان كذلك، لكن إخواننا الفلسطينيين لم يسحبوا السفراء من مصر والأردن، ربما لأنه برد سقف الغضب والاحتجاج والتخوين والتعامل الإعلامي المقزز مع مرور السنوات.

* *

السفراء الفلسطينيون يمثلون السلطة الفلسطينية في دول عربية تعترف بدولة فلسطينية غير موجودة في خارطة الدول واقعيًا وفعلياً، وهذا يأتي ضمن الدعم العربي لقيامها في المستقبل، وعندما يتم سحب السفراء فهذا القرار يصبّ في مصلحة إسرائيل، أي أن سفراء إسرائيل سيكونون بدلاء لسفراء الدولة الفلسطينية التي يحلم بها الفلسطينيون.

* *

وعودة سفراء فلسطين من جديد قد لا تكون متاحة بعد تعامل السلطة الفلسطينية غير المناسب مع دول التطبيع، ومَنْ اختار سحبها هم الفلسطينيون، وهم مَنْ يتحمل مسؤولية هذا القرار الخطأ، خاصةً أنه قد صاحبه ظهور إعلامي فلسطيني مكثف في قناة الجزيرة وغيرها، وكل محاور هذا الظهور وموضوعاته كان بمنزلة إثارة للكراهية المخبوءة ضد هذه الدول، وضد المملكة التي لم تعترف أساساً بإسرائيل.

* *

ما لم يفهمه الفلسطينيون بعد -ولن يفهموه!- أن أقرب من أضاع حقوقهم، وأضعفَ من فرص الحلول السلمية، وجرَّدهم من أي منطق لاستردادها هم الفلسطينيون لا العرب، وأن التحديات الداخلية التي واجهها العرب، إنما كان في جزء كبير منه بسبب دعم العرب للحقوق الفلسطينية، ومعاداتهم لإسرائيل، غير أن الفلسطينيين ينكرون كل عمل جميل للعرب، وينسبون لهم كل شيء قبيح، بينما الفلسطينيون هم أنفسهم من كانوا وراء حالة الضياع التي كانوا عليها -وما زالوا- ولم يتعلموا أو يستفيدوا من الدروس المبكية التي مرَّت بها قضيتهم، فيما أن الوقت يمر بسرعة دون الاستفادة منه، والظروف والحسابات تتغير لغير صالحهم هي الأخرى وبسرعة.