قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

السودان هو أكثر الدول العربية التي عانت من كوارث الإسلام السياسي، وبالذات من جماعة الإخوان المسلمين. فقد حكموها قرابة الثلاثين سنة، وطبقوا فيها جميع نظرياتهم المتخلفة، لكنهم في النهاية قادوا السودان إلى دولة مقسمة، ومنهكة، وفاشلة بكل ما تحمله كلمة (فشل) من معنى، فضلاً عن أنها مقاطعة من قبل النظام العالمي، إذ كانت مصنفة ضمن الدول الداعمة للإرهاب. ودخل نظام البشير المخلوع في مغامرات أقل ما يقال عنها أنها حمقاء، أدخلت السودان في نفق مظلم، يزداد ظلمة مع مرور الأيام، حتى خرج الناس إلى الشوارع، وخلعوه هو وأركان جماعته الإخوانية، وحل مكانه نظام مدني معاصر، لا يلتفت إلى الشعارات، ولا المقولات المعلبة، والمغلفة بالأمنيات الفارغة من الداخل، وإنما نظام (وطني) يسعى إلى مصالح الناس، لا المصالح المؤدلجة، التي قادت السودان إلى الإفلاس والتخلف على جميع المستويات. وأنا سبق لي أن زرت السودان مرات عديدة، وأعرفه، ولي صداقات كثيرة مع مواطنيه، وكنت أقول، وما أزال: إن لدى السودان من الموارد البشرية والمتخصصين والخيرات، بل والثروات، ما تحتاج فقط إلى (إدارة) وحسن توظيف ليتحول السودان فعلاً لا قولاً إلى سلة غذاء العالم العربي بكل جدارة.

مشكلة السودان التي أنهكته، وشتت جهود أبنائه، هي أنه (متحف أيديولوجيات)، فكل سوداني تجده يتعاطف مع حزب أو جماعة، والعامل المشترك بين كل هذه الجماعات فقدان الشعور الوطني، والانتماء إلى إيديولوجيات متضادة متصارعة، فهذا ينادي بوحدة الأمة الإسلامية، والآخر بالأمة العربية، والثالث ينتمي إلى الحزب الشيوعي، وآخر إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، هذا إضافة إلى الأيديولوجيات الدينية مختلفة المشارب والتوجهات، مثل الصوفية والسلفية، وحزب التحرير، إضافة إلى جماعة الإخوان، التي تسيطر على وجدان الأغلبية، وهذه الجماعات تتطاحن فيما بينها، وتتقاذف التهم، أما البحث عن مصلحة السودان وإنسان السودان فآخر ما يعنيها..

الثورة الأخيرة كانت بالفعل ثورة حقيقية، قام بها الشباب وكذلك الشابات، ولم يشارك فيها - حسب علمي- أحد وازن من أصحاب تلك الأيديولوجيات المتعفنة، وكان همها الإصلاح، وبناء دولة (وطنية) حقيقية، وإبعاد الشعب السوداني من أن يكون حقل تجارب، تنتهي في كل مرة إلى الفشل، ثم يعودون من جديد ليجربوا تجربة أخرى، وهكذا دواليك. مشكلة النظام البائد ومعهم منظريهم الإخونجية أنهم يصرون على أن بإمكانهم اختراع العجلة من جديد، فيرفضون أن يستقوا تجاربهم ونظرياتهم وتطبيقاتهم من الشعوب المتفوقة، بحجة في غاية الغباء، فحواها أن تتناسب مع (الخصوصية السودانية الإسلامية)، وأن تختلف عن (التجربة الغربية)، التي - كما قال لي أحدهم - نرفضها ويرفضها شعبنا جملة وتفصيلاً.

وأنا على يقين لا يخالجه أي شك أن مشكلة جماعة الإخوان بجميع تشكلاتهم هم المرض العضال الذي أوصل السودان إلى هذا الوضع الكارثي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وبالمناسبة ما حصل لسودان البشير كان سيحصل لمصر الرئيس الإخواني مرسي، لولا أن تدارك الجيش الموقف، وأنقذ مصر من السقوط للهاوية.

السودان، والسودانيون، يبدو أنهم أخيراً استوعبوا الدرس جيدًا، فبدلاً من الصراعات الأيديولوجية والمناطقية، سلكوا الطريق الصحيح، وجعلوا مصلحة الوطن لها الأولوية المطلقة التي لا يعلو عليها أي أولوية أو انتماء أممي أو مناطقي، فكما يقول عبدالمطلب جد الرسول (أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه)، أصبح الوطن، وليس الأمة وقضاياها على رأس أولويات النظام الجديد.

لذلك كله فإن قرار الصلح مع إسرائيل كان دافعه الأول إينما تكون مصلحة السودان الوطن، فإليها سنشد ركابنا، غير آبهين ولا مكترثين بمن أشبعونا بنظريات ومقولات لا تسمن ولا تغني من جوع. وغني عن القول إن إسرائيل تملك من التطور والتقدم، وبالذات في المجال الزراعي، ما يجعل بإمكانها أن تحقق للسودان وشعب السودان من الموارد ما عجز السودانيون المؤدلجون عن تحقيقه، خاصة وأن ثمة تماثل في التربة والمناخ بين السودان وإسرائيل؛ ليبرز السؤال: لماذا لا يتم الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في استثمار كنوز السودان؟

أضف إلى كل ذلك أن السودان لن يشطب اسمه من (الدول المؤيدة للإرهاب) فحسب، بل وستتدفق عليها قروض دور التمويل العالمية، كما أنها ستنضم إلى الدول المعتدلة المسالمة التي يتعامل معها العالم الأول تعاملاً جاداً، وستجني من هذا التعامل مردوداً اقتصادياً سيعم كل المجالات.

وختامًا أقول بكل ثقة إن السودان الشجاع اتخذ أهم قرار في تاريخه الحديث بإبرام إتفاقية السلام مع إسرائيل.

إلى اللقاء