قضايا كثيرة شائكة ينبغي أن تتصدّى لها الإدارة الأمريكية الجديدة، من العلاقة مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي فضلاً عن إحياء الاهتمام بأفريقيا، غير أن ملف الأزمة مع إيران قفز سريعاً إلى الواجهة. والأسباب عديدة، منها أولاً أن العقوبات ضغطت بشدّة على اقتصاد إيران، لكنها لم تتوصّل إلى تعديل سياسات طهران، ومنها أيضاً أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لم يُسقطه، كما أن التحلّل الإيراني من قيوده بلغ أخيراً مرحلة جعلت الوكالة الدولية للطاقة الذرّية تدق ناقوس الخطر، ومنها كذلك أن ثمة رسائل علنية تبادلها الرئيس المنتخب جو بايدن وطهران وفيها أكثر من مجرّد جس نبض في شأن استئناف التفاوض وشروطه.
لم تنفِ إدارة الرئيس دونالد ترامب ما نشر عن نقاش لتوجيه ضربة مباشرة أو غير مباشرة لمنشأة «ناطنز» النووية، وعن استبعاد المستشارين للفكرة بسبب تداعياتها المتوقّعة. ورغم أن الأمر وُضع في سياق «تعقيد» مهمّة الرئيس المنتخب وإلزامه بالسياسة الترامبية حيال إيران، إلا أنه يتجاوز نيّة كهذه بوجود مبرّرات أهمها أن إيران باشرت أخيراً، بحسب وكالة الطاقة، تشغيل أجهزة طرد مركزي من الجيل الثاني في ناطنز بهدف تسريع تخصيب اليورانيوم وزيادة نسبته وبالتالي رفع الكمّية المخزّنة منه. شكّلت الخطوة الإيرانية رسالة إضافية إلى خصوم ترامب الذين يعتبرون أن سياسته لم تحقّق أهدافها بل أعادت تنشيط البرنامج النووي الإيراني أبحاثاً وتخصيباً وتخزيناً، حتى أن بعض التقارير توقّع حصول إيران على سلاحها النووي خلال سنة، إذا استمرّ الحال كما هو الآن.
لم تختلف شروط طهران عمّا كانت عليه مع إدارة ترامب، وهي رفع العقوبات للانخراط في مفاوضات جديدة في إطار صيغة 5+1، لكن ترامب أراد تفاوضاً ثنائياً باعتبار أن اتفاق 2015 كانت فيه ثغرات تجب معالجتها، كما أنه لم يحقّق مصالح لأميركا بل مكاسب للدول الأخرى الموقّعة عليه. ثم أضافت طهران شرط التعويض بمئات المليارات عن خسائرها جراء العقوبات على قطاع النفط، ولمّا أظهرت لها الاتصالات صعوبة تلبية إدارة بايدن هذا الشرط قدّم الوزير محمد جواد ظريف صيغة جديدة تطلب عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي «بلا شروط» لقاء رفع العقوبات وتخلّي إيران سريعاً عن أنشطتها المخالفة لذلك الاتفاق، لكنه سيعود لاحقاً إلى مسألة التعويضات.
وكانت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا قد تمسّكت بالاتفاق النووي، احتراماً لتوقيعها عليه، معارِضةً الانسحاب الأميركي منه وما أعقبه من «ضغوط قصوى» على إيران. لكن الأوروبيين أيّدوا دائماً المآخذ الأميركية على الاتفاق (تمديد المهلة الزمنية لقيوده، تحديد سقف للبرنامج الصاروخي، وضبط السياسات الإقليمية لإيران)، لذلك يتهيّؤون الآن للتقارب مع بايدن الذي أعلن خلال حملته أنه سيعيد التزام أميركا بالاتفاق كخطوة لمعاودة التفاوض عليه لتعديله، وربما يخفّف العقوبات تدريجاً ليواكب أي استجابة إيرانية مفترضة لمتطلّبات الحل الشامل للأزمة. قبل الانسحاب الأميركي، رفضت طهران التعامل مع تلك المآخذ، لكن العقوبات ليّنت مواقفها «النووية»، وإن استبعدت كل تفاوض على برنامجها الصاروخي وتركت سياساتها الإقليمية للمساومة. لذلك يجمع المراقبون على أن الطرفين سيكونان أمام فرصة وتحدٍ: أميركا لتحقيق انسحاب منظّم من الشرق الأوسط، لكن مع نزع فتيل التوتّر وإنجاز تسويات سياسية قابلة للعيش، وإيران لإنهاض اقتصادها، لكن أيضاً لتعديل سلوكها داخلياً وجنوحها للسلم إقليمياً.