أيام معدودة تفصلنا عن الاحتفاء بيوم المرأة البحرينية في مجال العمل الدبلوماسي، ولأنني التحقت بركب العمل الدبلوماسي قبل ثماني سنوات كقائم بأعمال إدارة الاعلام بالوزارة ثم ابتعثت للعمل في سفارتنا بالجزائر، آثرت أن اكتب بواقعية عن حال المرأة الدبلوماسية وتحدياتها وفرص نجاحها، وأول حقيقة اكشفها لك يا قارئي هي أن العمل الدبلوماسي أكبر من وجاهة السير على سجادة حمراء أو الجلوس على مقعد وثير في سيارة فاخرة يعلوها علم الدولة أو حفلات استقبال وموائد طعام فاخرة، فكل تلك المظاهر تخفي وراء وهجها الاجتماعي ثقلاً من المسؤوليات والتحديات ودوربا محفوفة بالمخاطر لا تقوى على عبورها سوى الشخصيات الاستثنائية التي عجنتها الحياة سعياً وكدحاً، وامتلأت عقولها فكراً مستنيراً.

ولعمري الدرس الذي تعلمته في العمل الدبلوماسي هو الفرق بين وهم الحركة وفعل الحركة، ذلك ان الدبلوماسي الناجح هو الذي يعرف ماذا تريد دولته ويسعى لتحقيقه عبر نجاحه في اختراق البوابات الحديدية والشخصيات المؤثرة في صناعة القرارات، ولك أن تتخيل يا قارئي أن تكون المرأة في هذا الوضع العملي الاستثنائي، لأن المرأة متى ما دخلت العمل الدبلوماسي يكون عليها ما على الرجل من مسؤوليات وواجبات، بل ربما تكون عليها المسؤولية مضاعفة لأن المرأة بطبيعتها أكثر ميلاً للانضباط والتنظيم، بالتالي تكون نتائج أعمالها اكثر وضوحا ودلالة.

ولأن المرأة الدبلوماسية عليها الاهتمام بالمواطنين، ولأجل خدمتهم قد يطلب منها أن تذهب بنفسها الى أقسام الشرطة والسجون، وتقف عند ثلاجات الموتى وتشرف على نقل الجثامين، وتتعايش مع حالات المرضى منهم شهورا وربما سنوات! هذه المرأة أيضاً عليها أن تحمي نفسها فيما لو كانت تخدم في دول غير مستقرة أمنيا وسياسيا، أوفي دول معرضة للكوارث مثل الزلازل والفيضانات.

ورغم كل تلك التحديات، فإن الدافع المحفز الذي يجعل من المرأة الخيار الأفضل هو الرسالة التي نرسلها إلى العالم، فوجود امرأة على رأس بعثة دبلوماسية في عواصم العالم هو في حد ذاته رسالة تمحو كثيراً من الأفكار المسبقة والصور الذهنية القاصرة عنها، والأهم أن يكون الاختيار مبنيا على الكفاءة للمرأة المرشحة لهذا العمل، فمن خبرتي المرأة لن تستطيع أن تعطي وتنجز في العمل الدبلوماسي من دون أن ترتكن إلى جهودها المتصلة بشخصيتها وخبرتها العلمية والأكاديمية.

فعندما اُبتعثت إلى الجزائر كأول خليجية دبلوماسية تعمل في هذا البلد، اضفت إلى عملي الدبلوماسي من خبراتي في المجال الإعلامي للمشاركة باسم السفارة في أكثر من حدث ثقافي مهم وهادف، وسعيت لأن يتم توثيق مساهمة أبناء البحرين لنضال اشقائهم الجزائريين في الأرشيف الوطني الجزائري، وقد اكدت صاحبة السمو الاميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة رئيسة المجلس الأعلى للمرأة حفظها الله ضرورة التوثيق وإيلائه جل الاهتمام، عندما التقيت بها ذات مرة مع كوكبة من الدبلوماسيات، كما كتبت الصحافة من خلالي عن البحرين المرأة البحرينية، وشجع هذا العمل أن تتخذ عدة دول عربية قرارها وتبتعث دبلوماسيات إلى الجزائر في فترة وجودي هناك.

إنني اليوم على ثقة تامة في قيادتنا الحكيمة والمجلس الأعلى للمرأة ووزارة الخارجية الموقرة أن تكون لدينا أكثر من سفيرة وقنصل عام ووسيطة لمبادرات السلام، بل وتوكل إليها متابعة ملفات مهمة في المنظمات الدولية والاقليمية، فما احوجنا إلى دبلوماسيات قادرات على نقل الصورة الحيوية عن وطننا بتاريخه وحضارته وشراكاته الفاعلة مع المجتمع الدولي.