قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل هناك علاقة بين انتشار عادة الزواج من الأقارب وتطور المجتمعات؟ فمن المعروف مثلا أن عادة الزواج من الأقارب قد انتشرت أكثر مع ظهور المجتمعات الزراعية منذ نحو عشرة آلاف سنة، ومن ثم تمددت العائلة إلى عائلة أكبر، يساعد أفرادها بعضهم بعضاً في الزراعة والري والحصاد. لكن، لماذا استمرت عادة الزواج من الأقارب في مجتمعات معينة وتوقفت في مجتمعات أخرى؟ وما أثر ذلك على تطور هذه المجتمعات؟

في هذا المجال نشر أستاذ علم الأنثروبولوجيا في جامعة هارفرد - د. جوزيف هنريك كتابا مثيرا للجدل عرفت عنه بالصدفة تحت عنوان: «أغرب ناس في العالم» The Weirdest People in the World. فمنذ نحو الشهر، وبينما كنت أقود سيارتي متجها للعمل، استمعت إلى الجزء الأخير من مقابلة مع أستاذ جامعي على الـ BBC حول كتابه الذي يرى فيه أن زواج الأقارب أدى إلى تخلف المجتمعات التي تمسكت به، بينما تطورت المجتمعات التي تخلت عنه. ولأول وهلة ظننت أن ما قصده كان حول الحقيقة المثبتة علميا بأن زواج الأقارب يؤدي إلى انتشار الأمراض الجينية. ولحسن الحظ تمكنت من التقاط اسم الأستاذ عند ختام اللقاء، حتى انني رددته مع نفسي لكي لا أنساه قبل وصولي إلى المكتب. وبعد بحث بسيط تمكنت من أن أعثر على مراجعة لهذا الكتاب نشرت في نيويورك تايمز مؤخراً، قام بها دانييل دينيت. فاكتشفت أن هدف المؤلف كان بعيدا عما ظننت.

حيث يقسم المؤلف جوزيف هنريك سكان العالم إلى قسمين: القسم الأول يسميهم الغرباء أو الـ Weirdos والذين يتصفون بكونهم فردانيين، يفكرون بطريقة تحليلية، يؤمنون بأن الإنسان مخير، ويرفضون المحسوبية بشكل واضح واكثر حساسية لوخز الضمير. أما القسم الآخر والذين يسميهم The Non Weirdos، فهؤلاء ينتمون أكثر للعائلة، والعشيرة والقبيلة، أو الجماعة الاثنية. هؤلاء (القسم الثاني) يعتقدون أن المحسوبية أو تفضيل الأقارب ليس فسادا. وهم أقل ميلا للتفكير بحرية خوفا من عقاب العائلة أو الطائفة او القبيلة. كما أنهم اقل حساسية بوخز الضمير. وإلى حد كبير يمكن اعتبار العالم الغربي، وما تطور على نمطه مثل اليابان وكوريا وحتى الصين، ينتمي إلى القسم الأول. بينما ينتمي العالم العربي وأغلبية الدول النامية أو المتخلفة اقتصاديا وعلميا إلى القسم الثاني، الذي لا يعتبر تفضيل القريب أو ابن العشيرة فسادا. كما أنه غير قادر على اتخاذ قرارا فردانيا. والتساؤل المهم الذي يجيب عنه د. جوزيف هنريك في كتابه، هو: كيف تحول العالم الغربي إلى هذا النمط السلوكي الذي قلل من احتمال ممارسة الفساد في هذا المجتمع؟ يرى مراجع الكتاب دانييل دينيت: «إن نظرية جوزيف هنريك ترتكز على تحريم الكنيسة الكاثوليكية تعدد الزوجات، وتحريم الطلاق، وتحريم زواج الأقارب إلى ابن العم أو بنت العم أو أبناء وبنات الخالات الى الدرجة السادسة، مع عدم تشجيعها على التبني وترتيب الزواجات، وبهذا قضت على التوريث للأقارب البعيدين».

وكان هذا التحريم الخطوة الأولى في منع تجمع الأفراد الى عوائل كبيرة ثم عشائر فقبائل. ويرى جوزيف هنريك أن هذا «ربما جاء صدفة أو من دون قصد، لكنه أدى إلى أن الكنيسة أضعفت المؤسسات العشائرية، وزادت من قوة تأثير الكنيسة كمرجع للسلطة الاقتصادية والسياسية».

هذا، ولا يجيب الدكتور جوزيف هنريك على: لماذا قامت الكنيسة بفرض هذا التحريم. مع أن ايراداتها زادت بعد أن اصبحت وارثا لعدد اكبر من الناس. ويقدم احصاءات ومقارنات تعزز نظريته بدور الكنيسة الذي ابتدأ في نحو 500 ميلادية في فرض العوائق التي أدت إلى منع تشكل المجتمعات الأوروبية إلى عشائر وقبائل؟ وبالطبع كان هذا التحول تدريجيا. فعدم وجود انتماء عشائري أو قبائلي في المجتمعات الأوروبية يرجع جذوره إلى منتصف الألفية الأولى بعد الميلاد.

هذا، ولاحظ الدكتور هنريك أن المجتمعات الإنسانية تتحول إلى «غريبة» أو «weirdos» بشكل متزايد. بمعنى أنها تتخلى عن الولاءات الاثنية والعشائرية والقبلية في مسيرتها نحو التطور. فعندما يغطي ابن الطائفة أو العشيرة أو العائلة على فساد من ينتمي إلى نفس الطائفة أو العشيرة أو القبيلة، فإن ذلك يكون عائقا لتطور المجتمع. هذا، ولاحظ الأنثروبولوجي هنريك أن المجتمعات التي تسمح وتشجع على الزواج من الأقارب هي المجتمعات الأكثر تخلفا.

ولا شك أن الحالة الكويتية - وإلى حد كبير- تعتبر إثباتا لنظرية هنريك. فنحن على أبواب انتخابات، والتي تظهر أن التحالفات الطائفية والعائلية والقبلية هي التي ستحدد وصول الأغلبية العظمى من أعضاء المجلس. وهذا المجلس هو الذي سيحدد تركيبة مجلس الوزراء وتوجهاته. والوزراء هم الذين سيحددون القيادات في وزاراتهم، والتي سيكون الكثير منها وفقا لمصالح عائلية وقبلية وطائفية. وهؤلاء لديهم كفاءة عالية بتغطية فساد بعضهم لبعض. وسيقومون بذلك من دون وخز ضمير!