في رواية الحزام لأحمد أبو دهمان، أنت تشهد استدعاء ذاكرة ابن القرية إلى زحام باريس، ومجتمعها، بكل ما فيه من تمازج وتداخل. بعكس واقع القرية، التي تتفرد بكون أهلها وناسها يلوذون بخصوصيتهم، ويخافون من كل أمر يستجد من حولهم. وهذا واقع كل القرى في العالم، قبل أن تختزلها العولمة. أعدت قراءة رواية الحزام مجددا. في المرة الأولى، قرأتها بخيالات وترقب قارئ يريد اكتشاف عوالم الحزام. بكل الشخوص التي استحضرتها ذاكرة المؤلف الذي أخذته دروب الدراسة والصحافة من قريته إلى عاصمة النور. دوما طريقة السرد تمنحك كثيرا من التفاصيل عن عالم تتشابه وقائعه في مجتمعاتنا العربية. قلت لصديق: كان مدهشا بالنسبة إلي هذا التشابه الإنساني في القرى والأرياف، الأمهات، الأزياء، طقوس الطبخ، مع بعض الاختلافات التي ترتبط بالمكان والظروف المصاحبة.
قبل نحو أسبوع عدت إلى قراءة "الحزام"، وأنا أستحضر صورة مؤلفها الذي جمعني لقاء به وثلاثة أصدقاء آخرين. أبو دهمان، يشبه روايته كثيرا. هو جزء منها. الآن فهمت لماذا أحببتها.
يسوغ لي أن أقول، إن الروايات التي تلامس القلوب والمشاعر هي انعكاس صادق لروح كاتبها.
هذا في رأيي أحد أجمل ما يهبه لنا السرد الشفاف. نحن عربيا نفتقد إلى شفافية البوح.
في "الحزام"، كمية عالية من الصدق، مع عدم تحويل هذا الصدق إلى فوضى، كما هو حال بعض من قرأت لهم، ولن أسميهم.
لدينا أسماء مميزة، أعادت إحياء ذاكرة المكان: أتذكر - مثلا - يحيى سبعي، في "ساق الغراب". ثنائية الأسطورة الممزوجة بالواقع، هي القاسم المشترك بين "الحزام" و"ساق الغراب". ربما بالمصادفة أن أحمد أبو دهمان ويحيى سبعي، كتبا روايتيهما خلال وجودهما في باريس.
الفارق أن نص "الحزام" الأصلي كتبه أبو دهمان بالفرنسية، بينما صاغ يحيى سبعي نصه الأصلي باللغة العربية الفصحى. هذه النصوص تستحق أن تتحول إلى دراما سينمائية.