على امتداد مسيرته السياسية القصيرة، لطالما تناول باراك أوباما، الرئيس الـ44 للولايات المتحدة، ما اعتبره «اختلافاً» من جانبه. وفي أحدث كتبه الصادر بعنوان «أرض موعودة»، يذكر أن الناس لطالما نظروا إليه كشخص «قادم من كل مكان ولا مكان، مزيج من أجزاء متنافرة كما لو أنني حيوان منقار البطة أو وحش خيالي».
ومع ذلك، وحتى لو كان هذا صحيحاً، فإن «اختلاف» أوباما يمكن إيجاده في نقاط أخرى. بادئ ذي بدء، كان أوباما أول شخص يفوز بالرئاسة الأميركية بعد فترة عمل قصيرة في المجال العام كعضو في مجلس شيوخ صغير السن. (أما خليفته دونالد ترمب، فلم يكن لديه حتى هذه الخبرة). كما أن أوباما أول من نال جائزة نوبل للسلام دونما أن ينجز أي شيء من أجل السلام أو الحرب.
ومن خلال كتابه «أرض موعودة»، كشف أوباما عن جانب آخر من جوانب «اختلافه»، فهو أول رئيس أميركي يكتب ليس سيرة ذاتية واحدة، وإنما ثلاث. ورغم هذا، فإنه يجري طرح سيرته الذاتية الجديدة الممتدة لـ768 صفحة في الطبعة الأميركية، باعتبارها مجرد الجزء الأول، ومن المقرر كتابة جزء ثانٍ. وعند النظر إلى السير الذاتية الثلاث التي أصدرها أوباما حتى الآن على نحو مجمل، نجد أنها تحطم الرقم القياسي الذي حققه الرئيس يوليسيس إس. غرانت بسيرته الذاتية البالغ عدد صفحاتها 1100 صفحة.
ويبدو جزء كبير من الكتاب الأخير إعادة لما سبق أن طرحه أوباما في سيرتيه السابقتين: «أحلام والدي» و«جرأة الأمل»، اللتين تناولتا فترة طفولته وشبابه. هنا أيضاً، يبقي أوباما على هالة من الغموض حول سنوات نشأته في إندونيسيا. ويبدي القدر ذاته من الاقتضاب في وصفه للتأثيرات التي صاغت رؤيته للعالم. ويقول إنه قرأ أي شيء وكل شيء، من كتب ماركس وماركوزه حتى فوكو وفيرجينيا وولف، لكن دونما أن يوضح ما الذي تعلمه من هذه الكتابات.
ويبدو أوباما مولعاً بـ«اختلافه»، ويحكي كيف أنه اضطر إلى أن يقرر ما إذا كان سيطور نفسه كشخص أسود البشرة أم أبيض البشرة، ليقرر في النهاية السير في الاتجاه الأول. وبعد أن أولى الأولوية إلى لون بشرته الداكن، قرر أوباما بعد ذلك التصرف كرجل أبيض، وبالتالي تمكن من «فهم» السبب وراء شعور بعض «البيض» بـ«رد فعل انفعالي عميق تجاه فترة رئاستي».
وكتب أوباما كذلك أن «مجرد وجوده داخل البيت الأبيض أثار مشاعر ذعر عميقة». ورغم أنه لا يقدم دليلاً على ذلك، فإن هذا الطرح مكّنه من ادعاء الشعور بالمظلومية؛ الأمر الذي أصبح أشبه بصيحة في التاريخ الأميركي الحديث. وساعده هذا الأمر بدوره على التقليل من أهمية الانتقادات التي وجهت إلى فترة رئاسته باعتبارها ناجمة عن مشاعر عنصرية.
ومع هذا، فإنه كتب يقول «ربما تفسر قناعتي بأن العنصرية ليست أمراً محتوماً استعدادي للدفاع عن النموذج الأميركي».
ورغم ذلك، يبقى من الصعب التعرف على توجهات وآراء أوباما حيال أي شيء.
وفي مناقشته للقضايا، يعتمد أوباما على ما يمكن وصفه باستراتيجية «من ناحية، ومن ناحية أخرى». على سبيل المثال، في بعض جوانب السياسة الخارجية، يشير أوباما إلى أنه كان يفضل «القيادة من الخلف». ومع هذا، انتهى به الحال إلى أن يصبح مولعاً بالسيطرة. ويسرد أوباما موقفاً عندما أخطره مساعدوه خلال زيارة رسمية له للبرازيل بأن القيادة الجوية الأميركية تسعى للحصول على موافقته لضرب أهداف داخل ليبيا. ويأتي ذلك رغم أنه أعلن أن حليفين أوروبيين، تحديداً بريطانيا وفرنسا، هما يتوليان القيادة هناك.
داخل العراق، لم يتمكن القادة الميدانيون الأميركيون من استخدام طائرات «أباتشي» ضد قوات إرهابية من دون الحصول على موافقة أوباما.
وسخر أوباما من تلميح بعض منتقديه إلى أنه ربما يكون اشتراكياً في السر، وكأن الاشتراكية جريمة مخلة بالشرف. ومع هذا، فإنه في بعض اللحظات يكشف عن غير قصد عن ميله نحو التوجهات الجمعية. وأثنى أوباما على «الروح الجمعية، وهي أمر نتمناه جميعاً ـ الشعور برابطة تتجاوز جميع اختلافاتنا». وكرر أوباما سرد الادعاءات التي لطالما طرحها أنصار هذا التوجه من أفلاطون حتى ماو تسي دونغ، وقال إن «الدولة التي تضطلع بأعمال التنظيم جعلت حياة الأميركيين أفضل كثيراً».
ونتيجة تأثره بهذا الفكر، حاول أوباما بناء قطاع صحي خاضع لسيطرة الدولة عبر ما أطلق عليه «أوباما كير». وتحدث أوباما عن «الحقوق المجتمعية»، بينما تتحدث «وثيقة الحقوق» عن الحقوق الممنوحة للمواطنين الأفراد.
وتذهب «الروح الجماعية» لأوباما إلى أبعد من ذلك. ووجه دعوة إلى الشباب الأميركي من أجل «مطابقة واقع الولايات المتحدة بمُثُلها»، لكنه يتحدث بنبرات أكثر غموضاً عن «إعادة تشكيل العالم، لصناعة ولايات متحدة تتوافق نهاية الأمر مع أفضل ما بداخلنا».
وتضعه مثل هذه العبارات في فئة المهندسين الاجتماعيين السياسيين الذين يعتقدون أنهم يستطيعون إعادة تشكيل العالم من خلال ممارسة السلطة. إنهم لا يدركون أن فرانكشتاين وبيغماليون هما في الواقع القصة نفسها التي تشير إلى مخاطر مثل هذه الهندسة.
ولا يخبرنا أوباما لماذا لم ينجح في إنجاز أي من ذلك خلال فترة رئاسته.
النبأ السار هنا أن أوباما لم يقرر أبداً من هو حقاً وماذا يريد حقاً، بخلاف إثارة إعجاب أكبر عدد ممكن. وعندما يكتب عن المراحل الأولى من سعيه إلى الرئاسة، يشير إلى أنه ربما كان مدفوعاً بـ«الجوع الخالص، والطموح الأعمى المغلف بلغة الخدمة الشائكة».
وعندما قيل له إنه حصل على جائزة نوبل للسلام، سأل: «لماذا؟»، لكنه لم يطرح هذا السؤال على من أعطوه الجائزة. بدلاً من ذلك، يلقي خطبة. وبالطبع كان إلقاء الخطب أفضل ما يحبه. وغطى خطابه كل شيء من إنقاذ الكوكب إلى الحاجة إلى دورات مياه خاصة للمتحولين جنسياً.
ويصف أوباما نفسه بأنه «محافظ في مزاجه ولكن ليس في رؤيته»، ويعترف ضمنياً بأنه يفتقر إلى الشجاعة للكشف عن قناعاته.
ويظهر دونالد ترمب في القصة باعتباره شبحاً برتقالياً أعطى أوباما بعض اللحظات التعيسة خلال حملته الانتخابية التي سعى خلالها لإثبات أن أوباما لم يولد في الولايات المتحدة. ويزعم أوباما أن ترمب كان مدفوعاً في هذه المساعي بشعوره بالسخط لأن البيت الأبيض رفض محاولتين من جانبه للحصول على عقود إنشاءات من الحكومة. وكتب أوباما «بالنسبة لملايين الأميركيين الذين أفزعهم وجود رجل أسود في البيت الأبيض، وعد (ترمب) بتقديم إكسير لعلاج قلقهم العنصري«.
بوجه عام، يحتوي الكتاب على حكايات عن قادة وشخصيات سياسية أخرى، وكلها مصممة لتقليص حجمها وإطالة ظل عظمة أوباما. ويقول أوباما إنه معجب بملكة إنجلترا ووجد الهندية سونيا غاندي جذابة، لكن ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، كان مجرد فتى ثري لم يعانِ الفقر قط. وقال إن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بدا أشبه بـ«الديك البانتام»، وذكر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يبد «لافتاً من الناحية الجسدية» وأنه ذكره بآل كابوني. أما الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، فكان كاذباً لا يجيد الكذب، والرئيس الصيني هو جينتاو بيروقراطي ممل له ملاحظات لا نهاية لها.
ويصف أوباما نائب الرئيس جو بايدن بأنه «مهذب وصادق ومخلص»، لكنه ليس شخصية بارزة، ناهيك عن زعيم محتمل. كما كشف عن أن بايدن عارض قتل زعيم الإرهاب أسامة بن لادن.
ولا يوضح كتاب «أرض موعودة» لمن كان الوعد بالولايات المتحدة، وينتهي الكتاب بقتل بن لادن. أما ما لم يتناوله أوباما فهو ما لم يفعله أو لم يستطع فعله. جدير بالذكر، أن معسكر غوانتانامو لا يزال مفتوحاً، رغم أن أوباما وعد بإغلاقه في العام الأول من ولايته. كما أن الوعد بإقامة دولة فلسطينية في العام الأول من رئاسته لم يتحقق. وتحول ما يسمى «الربيع العربي» إلى كارثة. وفشلت «الصفقة الكبرى» مع ملالي طهران وتحولت إلى كوميديا مأساوية. وأصبح «الخط الأحمر» الذي جرى إقراره في سوريا وردياً، ثم اختفى تماماً. بجانب أن المحيطات التي كان من المفترض أن تنحسر لم تتبدل. كما أن بوتين الذي كان من المفترض أن يجري احتواؤه لا يزال ينتزع الأراضي بينما الصين، الآن تحت قيادة شي جينبينغ، تسعى نحو قيادة العالم. ولا يزال التدخل العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان قائماً ودخل أوباما التاريخ بصفته رئيساً قتل عدداً أكبر من الأشخاص بهجمات الطائرات من دون طيار في عدد أكبر من الدول أكثر عن أي رئيس آخر.
في الداخل، زاد ثراء الأثرياء في عهد أوباما بينما انتهى الأمر بالفقراء أشد فقراً. حتى الهجمات العنصرية والعنف المسلح بلغ ذروة لم يسبق لها مثيل بينما كان أوباما يلقي الخطب ويتجول حول العالم ويفكر في «اختلافه».