عندما تتبنى مؤسسة ما منهجية عمل جديدة، فإن عليها أن تنظر أولا إلى البنية المؤسسية اللازمة لنجاحها. وفي نموذج التطور المستمر الذي يتطلب قدرا كبيرا من الابتكار وإدارة التغيير حسب النموذج الذي عرضت له سابقا، فإن من المهم تأسيس بنية عميقة لمنظومة اتخاذ القرار. ولأن المجال لا يسمح بالإسهاب في وصف عناصرها فلعل عرضها باختصار يتيح لنا العودة إليها لاحقا عند وصف العلاقات التي تنشأ بينها. وإن كانت العناصر هذه ممثلة في وظائف تؤدى في مؤسساتنا اليوم، فإنها في أفضل الأحوال لا تجد الاهتمام الذي يجب، فضلا أنها تعمل بمعزل عن العناصر الأخرى.

العنصر الأول في المنظومة هو عنصر اتخاذ القرار الذي تمثله القيادة، وإن كانت كل مؤسسة تنعم بوجود متخذ قرار فيها، فإن ضعف منظومة اتخاذ القرار تدعه يشكو من علل كثيرة من أهمها العزلة أو الاندماج المفرط، فإما أن تصل متخذ القرار معلومات منقوصة تضعه في عزلة أو تصله كل المعلومات، ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، فيقع في اندماج مفرط. ولعلاج العزلة أو الاندماج المفرط فإن متخذ القرار بحاجة إلى عنصر دعم القرار. يختص دعم القرار بتقديم القدر المناسب من الدعم ليخرج متخذ القرار من عزلته أو فكه من اندماجه المفرط. فعلى عنصر دعم القرار أن يمول القيادة بكل ما تحتاجه لفهم الواقع قبل اتخاذ قرار حياله. ولأن دعم اتخاذ القرار مسؤول عن إدارة المعلومات والمعرفة والفهم، فإن متخذ القرار بحاجة إلى عنصر آخر توكل له مهمة التشخيص والعلاج الذي يرفع بإجراءات التغيير المناسبة والمخاطر والفرص. قد تكون إجراءات التغيير متعلقة بالمؤسسة أو بمنظومة اتخاذ القرار بما في ذلك عنصر التشخيص والعلاج نفسه، إنما لا يتحرك هو للتوصية بالتغيير إلا بإيعاز من عنصر المقارنة. فعنصر المقارنة مسؤول عن النظر في المعلومات التي يقدمها دعم القرار والحكم من خلالها عن وجود تباين محمود أو مذموم في مؤشرات المؤسسة حسب المستهدفات التي التزمت بها. ولأن مظاهر التباين قد تخفى أحيانا على دعم القرار، إما لخروج التباين عن نطاق المعلومات المتوفرة أو قصورها، فإن عنصر التشخيص والعلاج يستعين بعنصر آخر يختص في البحث والتحليل الذي يعرض لمظاهر الخلل في المؤسسة أو في بيئتها.

تعمل عناصر اتخاذ القرار التي ذكرت معا في تواصل مستمر لدعم متخذ القرار لحل مشكلة المعلومات الناقصة أو الزائدة، ولحل مشكلة فقدان الذاكرة بالمراقبة والمقارنة، ولحل مشكلة التفريق بين العرض والمرض بالتشخيص والعلاج، ولحل مشكلة اختلاط المؤشرات الإيجابية والسلبية، حيث تختفي الأعراض أو أعراض الأعراض عن المراقب. ومع دوران العناصر الخمسة في فلك المؤسسة، فإن ما يميزها ليس وجودها فقط، لكن العلاقات التي تنشأ بينها، وهي ما تستحق أن نولي بها عناية خاصة في المقال القادم.