قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

معظم المدن بُنيت على أسس مرتبطة بالصراع من أجل البقاء. ومن ذلك اختيارها نقاط ارتكازٍ للحرب كما في اختيار موقع بناء الكوفة الذي كان نقطة ارتكاز في المعارك بين العرب والإمبراطورية الساسانية، لاحقاً: «امتلكت الكوفة أسلوباً معمارياً يبدو أن واسط قلدته، وبغداد، ولو تجاوزنا منطقة وادي الرافدين، قصور الشام.. لعبت الكوفة دوراً بارزاً في توضيح التصور الحضري الإسلامي»، كما يقول هشام جعيط في كتابه «الكوفة».
إن اختيار المدن طوال التاريخ تحرِّكه غريزة البقاء أكثر من الرغبة في الإبداع، بعض ذلك يأتي لاحقاً من فنون وزخرف وبناء شاهق كما في الحقبة العباسية. الهدف الأساسي استمرار العيش والبحث عن الكلأ والماء، تلك كانت سُنة الناس في اختيار مدنهم وبنائها.
اليوم ومع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم يحدث اختراق عميق وله بعده الفلسفي لإعادة مفهوم بناء المدينة. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شرح للناس طبيعة المدينة موضع الإنشاء «ذا لاين»؛ مدينة في «نيوم» خالية من الكربون، بمستوى عالٍ من الحفاظ على الطبيعة يصل إلى 95%. الهدف الأساسي من المدينة بث رسالة نذير للبشرية بأن الكوكب كله مسؤوليتنا، وهذا التشوه والتلوث جزءٌ من سببه الفقر في إيجاد وخلق تصورات مختلفة لمفهوم المدينة.
لذلك ورد في تصريح الأمير محمد بن سلمان: «على مدى العصور بُنيت المدن من أجل حماية الإنسان بمساحات ضيقة. وبعد الثورة الصناعية بُنيت المدن لتضع الآلة والسيارة والمصنع قبل الإنسان. المدن التي تدّعي أنها هي الأفضل في العالم يقضي فيها الإنسان سنين من حياته من أجل التنقل، وسوف تتضاعف هذه المدة في 2050، وسوف يهجَّر مليار إنسان بسبب ارتفاع انبعاثات الكربون، وارتفاع منسوب مياه البحار».
الفرصة مواتية للاستثمار في التقدم التقني والتكنولوجي وثورات الذكاء الصناعي الهائلة في صقل تجربة المدن القديمة، أو المدن موضع الإنشاء. في مسلسل ظريف وفيه نسبة عالية من الخيال حول مستقبل عيش الإنسان واسمه «Upload» يطرح خيال استعمال سيارات بلا دخان، ومن دون سائقين، وطرقاً متقدمة في التعلم والترفيه والطبابة. وهو منتَج العام الفائت، بمعنى أن المسلسل معاصر للثورات التقنية ويستشرف نمط العيش وشكل المدينة الحلم.
لم تعد الأفكار حبيسة الخيال العلمي، ولا مجرد خطوط بصرية في الأعمال الفنية، بل باتت خططاً واقعية بمدد زمنية محددة وبكفاءات عملية استثنائية، هذا هو الوجه الباهر لمشروع المدينة الذكية «ذا لاين».
ثم إن المشروع يكسر المقولات القديمة التي تجعل الاهتمام بمستوى انسجام المدينة مع البيئة له تكلفته الاقتصادية وعثراته البشرية. تطرح السعودية معادلة استثنائية خلاصتها أن المدن يمكنها أن تكون بأقصى درجات احترام الطبيعة وفي نفس الوقت ضمن مشاريع استثمارية وتنموية خلاقة مربحة.
عن تجديد مفهوم المدينة يقول الأمير محمد بن سلمان: «ستعيد مدينة (ذا لاين) تعريف مفهوم التنمية الحضرية من خلال تطوير مجتمعات، يكون فيها الإنسان محورها الرئيسي، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من 150 عاماً؛ وهو ما يعزز جودة الحياة، ويضمن الوصول إلى مرافق الخدمات الأساسية كافة، بما في ذلك المراكز الطبية، والمدارس، ومرافق الترفيه، إضافة إلى المساحات الخضراء، في غضون 5 دقائق سيراً على الأقدام. وستجعل حلول المواصلات فائقة السرعة التنقل أسهل؛ إذ من المتوقع ألا تستغرق أبعد رحلة في (ذا لاين) 20 دقيقة فقط؛ وهو ما سيوفر معيشة قائمة على التوازن بين بيئة أعمال حاضنة للابتكار، وجودة حياة استثنائية للسكان».
التاريخ البشري عبارة عن خلاصة منعطفات، وكل منعطف يتشكل بانتصار لنموذجٍ على آخر، وعليه فإن القوة التي تستخدمها السعودية مع حلفائها في المنطقة، من اليمن إلى الشام، هدفها سحق النموذج الدموي الذي تمثله وترعاه إيران، والتاريخ يعطينا المثال الساطع على ذلك. لو أن تشرشل والحلفاء لم ينتصروا على النازية ويسحقوا هتلر سحقاً لكان شكل البشرية اليوم غاية في الاختلاف. إن هزيمة النازية ثمرتها اليوم صرعات الحداثة ونماذج الحرية ومفاهيم العدالة المنصفة وتطور الأفكار وانتصار مفهوم الفرد في المدينة، بل عززت من انتشار الفلسفات والفنون والأفكار الفرنسية والإنجليزية في القرن العشرين على حساب الألمان كما يرصد بعض ذلك الباحث حيرش بغداد محمد في كتابه «الخطاب المثالي في الفلسفة الألمانية». فكرة «ذا لاين» بقدر ما تمنح البشرية نموذجاً للتطور المذهل في السعودية، فإنها تضع المنطقة كلها أمام خيارين كاللذين كانت أمامهما أوروبا والعالم في الحرب العالمية الثانية: مَن يفضل هتلر على تشرشل، الشمولية على الليبرالية، الفرد المسحوق على الفرد المستقل، انتهى به المطاف مهزوماً طريداً شريداً.
وحدها الآيديولوجيا التي دمّرت خيارات الناس ونحرت أحلام المجتمعات العربية، حتى خطابات المثقفين في مؤسساتهم وأنديتهم اليوم رهينة الرجعية والارتكاس والعقيم من الأفكار والفاشل من النماذج.
مشروع «ذا لاين» منعطف عام يشمل التعاطي الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي. إنه إكمال للمسار الذي يرسمه قائد استثنائي في زمن صعب. إنها هدية العلم والعقل والتطور في فضاء مجنون ومنطقة ملتهبة. ولكن بالعلم والقوة انتصرت الأمم الكبرى وبنت أحلامها؛ بالعلم تُبنى المدن، وبالقوة تُحرس.. هذه هي فكرة المدينة.