قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عمتي مريم سيدة استثنائية، ابتلاها الله بفشل كلوي وسكر وضغط وأمراض لا حصر لها، منذ أن كانت في عقدها الثالث، ولكن لم أرها متجهمة أو عابسة قط.
دائما مضيئة بابتسامتها وتفاؤلها.
مجرد النظر إلى وجهها البهي المشع بالنقاء يمنحنا طمأنينة كبيرة. هي الوحيدة في هذا العالم التي عندما تسمع بمصائبها تبكي، وعندما تراها فإنك تبتهج.
في خضم معاناتها من الغسيل الكلوي المرهق، والأوجاع الغفيرة، صعقت بخبر فادح، هو إصابة ابنها البكر سعد بسرطان في المخ، وهو في عامه الأخير في الجامعة في أمريكا.
كان الخبر وقعه مزلزل علينا جميعا. ترددنا كثيرا قبل عيادتها في منزلها. نخشى من أثر هذه الصدمة عليها، فجسدها لم يعد يقوى على تحمل حزن جديد.
لا يوجد مكان شاغر للألم في أعماقها، ولا الجروح في جسدها. ونحن متجهون إليها نتقدم خطوة ونتراجع خطوتين.
بدلا من أن نواسيها قامت بمواساتنا، وطمأنتنا بكلمات حانية لا تنسى.
راوغت علينا، وقالت لنا بصوت خفيض: "كلمت سعدا وهو بخير، يقرؤكم السلام فردا فردا".
نحن نعلم وقتئذ أن سعدا ليس بخير، ولا يتكلم. فهو في غيبوبة، ولكنها لا تجيد نقل الأحزان، فهو تخصص لا تفقه فيه.
بتوفيق الله ثم اهتمامها ووالده والرعاية الطبية التي حظي بها، استيقظ ابنها من غيبوبته، وعاد تدريجيا إلى حياته ودراسته، وزفته خريجا متفوقا.
عاد إلى الوطن محاطا بالطموحات.
توظف وأطل علينا بابتسامة استعارها من أمه.
ولكن الفرحة لم تكتمل، وعاد الألم والمرض العضال إليه، فأقعده وأنهكه حتى توفي، رحمه الله.
زرتها لتعزيتها مع شقيقها والدي، فلم أجد عمتي التي أعرفها، الحزن ينهشها وينهبها، تتمتم علينا مرددة: "ذهب سعد، كان يقول لي رأسي يوجعني ويشير إلى مكان الألم، وكنت لا أعرف كيف أساعده، فأنا لست طبيبة، إن شاء الله أنه ارتاح الآن، إن شاء الله توقف ألم ابني".
كتبت هذه الرسالة إلى عمتي في 17 آب (أغسطس) 2017. ومنذ ذلك الحين وعمتي لم تعد تلك التي نعرفها. انطفأت قليلا. وباتت ترقد في المستشفى أكثر من منزلها.
والأصعب علينا كان استعانتها بالكرسي لتصل إلينا ونصل إليها بمشقة. تمكن الحزن والمرض منها. افترسها الوجع.
كلما التقيناها حاولت إخفاء ألمها بابتسامة غير مكتملة، لكن قبل أسابيع غفت هذه الابتسامة إلى الأبد، فاضت روحها إلى بارئها.
سائلين الرحمن أن يتغمدها بواسع رحمته ويسكنها فسيح جناته، وأن يجعل ما كابدته من مشقة وآلام في ميزان حسناتها.