قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

البيانات الاعلامية المتتالية التي تصدر عن دوائر القصر الجمهوري تعكس بشكل مباشر طريقة تفكير الرئيس ومحيطه ودائرته الصغيرة، كما تعكس ضيق صدره وعدم إرتقاء أدائه وسلوكه الرئاسي إلى حيث يفترض الموقع الأول في الدولة، الذي يجب على شاغله أن يتمتع بصفات رجل الدولة المترفع عن مصالحه الفئوية أو الحزبية الخاصة.

الأمانة والدقة التاريخية تقتضيان القول بوضوح أن الرئيس لم ينجح في مغادرة موقعه الحزبي الضيق إلى الرحاب الوطني الأوسع، الذي يتيح له أن يكون فوق السلطات وفوق الأحزاب السياسية وفوق كل التركيبة الراهنة، وأن يكون فقط تحت الدستور والقانون.

هل هذا الفشل الموصوف في الانتقال من الضفة الحزبية إلى الضفة الوطنية مقصود ومخطط له أم أن غياب الرغبة والرؤية هو الذي أوصل الأمور إلى هذه “الخاتمة” غير السعيدة؟ بمعنى آخر، هل كان ثمة قرار ضمني لدى رئيس الجمهورية يؤكد الابقاء على هذه السياسة الملتصقة بـ”التيار الوطني الحر” بدل الاتجاه نحو السياسة الوطنية الشاملة؟ وهل حقاً لم يدرك الرئيس، وحلقته الضيقة من المستشارين المتفلسفين، أن عدم مغادرته لتلك السياسة الفئوية من شأنها تدمير العلاقات السياسية مع سائر مكونات المجتمع السياسي اللبناني؟

ألم يقرأ الرئيس أن هذا الالتصاق التام لم يسمح له حتى بأن يتمتع بهامش، ولو محدود، مع مكونات “الثورة” التي رفضت دعواته المتتالية للاجتماع، وأسقطت تالياً المحاولات البائسة لتمييز نفسه عن سائر مكونات الطبقة السياسية التي هاجمتها الثورة من دون تفرقة (بمعزل عما إذا كان محقاً أم لا)؟

كان في وسع رئيس الجمهورية عندما كان رئيساً لـ”التيار الوطني الحر” أن يعقد تفاهمات ثنائية مع أحزاب وقوى سياسية في إطار التحرك السياسي المشروع وخطة بناء التحالفات الداخلية، تحقيقاً للاستفادة الانتخابية وغير الانتخابية القصوى؛ ولكن الأمر مختلف عندما يشغل المنصب الأرفع في الجمهورية حيث تصبح مواقفه هي مواقف الدولة اللبنانية التي لها مفاعيلها ونتائجها، ليس على المستوى المحلي فحسب بل أيضاً على المستوى العربي والدولي.

لقد كان ثمة هامش سياسي مقبول يميز بين خطاب الدولة الرسمي وخطابات القوى الداخلية (خصوصاً تلك التي تلتحق بالمحاور الاقليمية وتعكس أجنداتها). إلا أن هذا الهامش سقط في الأسبوع الأول من إنتخاب العماد ميشال عون إلى الرئاسة، عندما برر وجود السلاح خارج الأطر الرسمية ولاحقاً عندما أسقط وعوده السابقة بإعادة فتح النقاش حول الخطة الدفاعية اللبنانية.

في هذا المثال الواضح، تصرف رئيس الجمهورية كرئيس لـ”التيار” وليس كرئيس للبلاد يدرك حقيقة مصالحها الخارجية وموقعها الطبيعي إلى جانب العرب (وهو الأمر الذي حسمه إتفاق الطائف). لقد أدت هذه السياسات إلى تدمير علاقات لبنان العربية والدولية وإلى إدخال لبنان في عزلة غير مسبوقة على مختلف الصعد لم يسبق أن شهد مثيلاً لها في تاريخه المعاصر.

كما أن إصرار الرئيس على عدم مغادرة موقعه الحزبي دمر علاقاته الداخلية مع مختلف الأطراف السياسية مما عطل كل إمكانيات التفاهم على حلول سياسية وإقتصادية. فـ”التيار” الذي أسسه الجنرال قائم على العبثية، لم يغادر الماضي بل يعتاش حصراً من تقليب صفحاته ونبش قبوره ورفع شعاراته الممجوجة والفارغة التي أصبحت خارج الزمن.

لبنان كان ويبقى بلد التسويات السياسية، وليس المقصود بالتسويات الالتفاف على القانون، بل العمل الحثيث على التقارب بين الأطراف المتناقضة بما يؤدي إلى تسيير الأمور وعجلة العمل، في السياسة والاقتصاد والمجتمع بما يتطابق مع القانون ويسهل تنفيذه وتطبيقه، كي لا يفسر هذا الكلام على انه دعوة لتجاوز القوانين فيظهر البعض كأنه القديس الحريص على القوانين في مواجهة الشياطين!