يمثل الدكتور فهمي جدعان تجربة بحثية مهمة في الفكر العربي الحديث، عبر إسهاماته الفكرية ومنها سفراه «أسس التقدم عند مفكري الإسلام» و«المحنة - جدلية الديني والسياسي» اللذان تفوقا على كتبه وأبحاثه الأخرى، بسبب أهمية الموضوعين وقيمة السؤالين. وما طرحه حول الديني والسياسي كان مهماً وما يقاربه موضع طرحٍ في الفكر الغربي ومنه الفرنسي من قبل بما عُرف ببحوث «السلطة والمعرفة» بشكلٍ واضح لدى فوكو، وعلق عليها جيل دلوز من بعده، إذ خصص للموضوع دراسة يتداخل فيها مع موضوع السلطة والمعرفة لدى فوكو.
في برنامج «محاور» على قناة «فرانس 24» أُجري مع الدكتور جدعان لقاء تناول فيه كثير من الموضوعات وقد توزَّع الحوار على جانبين؛ أحدهما معرفي، والآخر له بعده السجالي والسياسي.
يطرح جدعان في البرنامج فكرة غريبة، إذ يقول إن من عيوب الفلسفة أنها لا تنتج حلولاً. والواقع أن الفلسفة لم تكن مهمتها مطلقاً البحث في نقاط اتفاق أو الدفاع عن ذروة مطلقة مشتركة يمكن للجميع أن يمتثلها، فالفلسفة فضاء للسؤال من دون قيد أو شرط، ولذلك فإن الفلسفات تتخالف بقدر ما تتعاضد، والمفهوم الواحد يتم تناوله عبر صيغ متحولة تبعاً للمنهج. كل فلسفة تعرّف نفسها انطلاقاً من منهاجها ومن عدة أسئلتها ومن هدف بحثها، لذلك صيغ الاختلاف الفلسفي حتى داخل الفلسفات ذات المنطلق المتشابه كما في الاختلاف داخل «المثالية» بين كانط وفيخته وشلنغ وهيغل، أو حتى «الوضعية» و«فلسفات الاختلاف»، وليست وظيفة الفلسفة لا تدمير اليقين ولا تثبيته، وإنما وظيفتها الأساسية السؤال، وهذه بدهية يعلمها المبتدئ في المجال الفلسفي.
ثم شن الدكتور هجوماً كاسحاً على المثقف العربي، بسبب «خضوعه للسلطة». يرى جدعان أن أحوال بعض المثقفين العرب الاجتماعية والاقتصادية جعلتهم ينضوون مع دول و«ديكتاتوريات» داعمة، ثم ابتدره المذيع بسؤال للتأكيد: هل تقصد أنظمة سياسية؟! فأجاب بنعم.
تبرير جدعان لنقده لهم أن هذا الانضواء قد سبّب نوعاً من «الكسل المعرفي» بالإضافة للبعد عن نقد الأنظمة السياسية العربية مع أنه «ضد الثورة» وإنما مع التغيير التدريجي. تمنيت أن يطرح الدكتور أمثلة للأنظمة التي تدعم، وما نوع الدعم المقصود؟! هل يعارض كتابة المثقفين العرب ومشاركتهم في مراكز الدراسات عبر المحاضرات والترجمات والبحوث؟! هل يعترض جدعان على كتابة المثقف العربي في صحف خليجية؟! هل ينتقد مشاركتهم في المهرجانات الثقافية الدورية؟!
النقد الأوضح في لقاء جدعان ما يتعلق بموقف بعض المثقفين من القضية الفلسطينية، بوصفها بالنسبة إليهم ليست أولوية، والأغرب أن جدعان يستغرب من «حريتهم» في قول مثل هذه الآراء وهو هنا يلمّح لمفكرين في دول الخليج ومصر. المثقف جدعان يستغرب من «الحرية» المكفولة للإنسان بتعبيره عن رأيه السياسي، ويتمنى في مُضمر خطابه أن يُلجم المفكر الذي يختلف معه في بعض القضايا والأولويات السياسية!
هذا الهجوم منسجم مع مقالة لجدعان كتبها في صحيفة «العربي» بتاريخ 19 مايو (أيار) 2019 بعنوان: «الأوغاد». المقال مقذع ومليء بالهجاء والشتم، وأسلوب هذه الجريدة لا يتحمل إيراد شتائمه، لكن سأختار الجزء الأكثر هدوءاً من كلامه، يقول: «عصبة من الأوغاد تحتل ساحات الإعلام ومنابر الرأي... تتضافر وتوجه حمقها ودناءتها وذلها إلى جملة (المعاني الرمزية) التي تقوّم (الذات العربية)، وتضفي عليها القيمة والمعنى. رموز التاريخ تُنعت بـ(الحقيرة)، والمقدس الديني يحوّل إلى خرافة، والوطن – الهوية يصبح (خارج الطاولة، العرب الأوغاد) يقولون إن القضية الفلسطينية لم تعد تهمهم، وإن لبني صهيون الحق في فلسطين»!
كان من الممكن لجدعان أن يعبّر عن رأيه من دون توتر، وأن يشرح وجهة نظرة بأقصى ما يمكن من وضوح، ولكن من دون النزول إلى لغة لا تليق.
من مآزق خطاب جدعان التفوق البحثي مقابل النقص الفلسفي، والهجوم على المثقف العربي القادر على تكوين علاقات جيدة مع مؤسسات ثقافية وإعلامية وسياسية، ومن ثم الإقذاع في الهجوم على من تكوّنت لديهم قناعات معيّنة تجاه القضايا السياسية ومنها قضية فلسطين.
جدعان يمثل جيلاً من المفكرين الغاضبين من دول الخليج منذ زمنٍ بعيد بسبب تأثرها الإيجابي بالغرب من جهة، وشعبيتها الاجتماعية من جهة أخرى؛ أولئك المثقفين الحالمين الذين لا تزال في نفوسهم غصّة من هذا الانطلاق الذي تفوقت به دول الخليج مقابل انهيار آيديولوجياتهم القديمة، وتراجع أحزابهم، وربما بيان نهضة الخليج لخلل وعطّل شعاراتهم وأفكارهم.
لقد تجاوزت الأجيال الحالية نقاش المثقفين وقضاياهم التي يريدون للآخرين تقديسها، نحن أمام تصاعد لموضوعاتٍ تهم الأجيال، وبالتأكيد فإن الثقافة والمثقفين وقضاياهم (بشكلها التقليدي) ليست منها.
أتمنى من جدعان، ومَن يشبهه في الخطاب، الاطلاع على «الرؤى» الاقتصادية للسعودية والإمارات والبحرين، وأن يعيد متابعة إطلاق المسبار الإماراتي الذي وصل إلى مدار المريخ، هذه النجاحات لم تأتِ بسبب ندوات المثقفين المملّة والفارغة وإنما بعملٍ دؤوب واستراتيجياتٍ طموحة، وفكر خارق فوق مستوى أحلام المثقفين وقضاياهم وأوهامهم.
هذه هي القصة باختصار، لقد ولّى زمن، وجاء زمن آخر يختلف جذرياً عن الخطاب المتهالك القديم، لكنّ الكثير من المثقفين لا يودّون الاعتراف بهذا التجاوز الكبير.