قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا ننسى أن الخلاف بين إثيوبيا والسودان حول منطقة «الفشقة» الحدودية يعود إلى عقود خلت، وإذا كان هذا الخلاف في السابق يعود إلى أسباب ترابية - حدودية، لعبت فيه النعرات الإثنية دوراً محورياً، فإنه اليوم محكوم بصراع جيو- سياسي تقف فيه إثيوبيا طرفاً مقابلاً لدول المصب في سياق ما يعرف بأزمة التفاوض حول تقسيم مياه النيل.

الملاحظ أن التوتر الحدودي بين البلدين قد تزامن مع أزمة سد النهضة، وأخذ أبعاداً عدائية فيها كثير من تبادل الاتهامات، ما أفسد لغة الحوار والوساطة وفسح المجال لإمكان نشوب حرب وشيكة بين البلدين الأفريقيين، وما يخيف هو أن يتداخل البعد الإثني والسياسي بالبعد الانتخابي في إثيوبيا من خلال حمل «التحالفات السياسية الداخلية الإثيوبية».. رئيس الوزراء آبي أحمد يسعى لتقوية حظوظه الانتخابية شهر مايو المقبل، خاصة أن مثل هذه الخلافات تعتبر رغبة حيوية لدى «قومية الأمهرة» وهي ثاني أكبر تجمع قومي في إثيوبيا.

من جهة أخرى، تقوم حجة الخيار الإثيوبي للنزاع من منظور «التحالفات السياسية» على قناعة استراتيجية تسعى للهروب إلى الأمام لربح الوقت وملء السدّ ثانية، توجساً منها لتحالف مصري ـ سوداني تؤشّر عليه عملية المناورات الجوية المصرية ـ السودانية لأول مرة، في شهر نوفمبر الماضي، وهذا ما أقدم عليه الطيران الإثيوبي في محاولة استفزازية للسودان بخرق إحدى مقاتلاته الأجواء السودانية.

إن اتهام إثيوبيا للسودان بالعمالة لطرف ثالث، يوم السبت الفارط، يدخل في سياق لعبة دبلوماسية تريد من خلالها إثيوبيا أن تلعب دور الضحية، كما تستهدف هذه الدبلوماسية الأمن الداخلي السوداني بالتشكيك شعبياً في قيادته وتحريضه ضمنياً على العصيان المدني.

هذا ما تنبهت إليه الخارجية السودانية بمحاولتها الرد السريع على هذا الاتهام لإبطال مفعوله واعتباره «إهانة بليغة ولا تُغتفر»، إشارة منها إلى رد فعل مرتقب، مع تأكيدها على تماسك الجبهة الداخلية بإجماع الشعب والجيش على بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها وفق الحدود المعترف بها والتي تستند إلى الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما حاول البيان أن يشير إلى شخصنة الصراع بتنصيصه على أن الحدود السودانية ـ الإثيوبية «لم تكن قط موضع نزاع إلى أن جاء إلى وزارة الخارجية الإثيوبية من يسخرها لخدمة مصالح شخصية وأغراض فئوية».

إذا خرجت التوترات السودانية ـ الإثيوبية عن السيطرة، فلن يكون هناك فائز، بل ستعرّض البلدين إلى انهيار فظيع، نظراً لكون تركيبة مجتمعيهما قبلية طائفية سهلة الانفجار في أية لحظة، كما أن تصاعد التوتر بينهما ستتأذى منه دول الجوار بتعرضها لتهديدات التطرّف وصعود جيل جديد من الإسلام السياسي العنيف، فضلاً عن تعرض المنطقة إلى هجرات سودانية ـ إثيوبية واسعة، تكون مكثّفة في مصر وليبيا، وهذا يعني تكرار سيناريو الهجرة المأساوية السورية بصيغة مختلفة.