قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في ذروة التوتر السياسي بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا عام 2009م، اشتركت الدولتان في رئاسة ثلاثة فرق عمل تحت إشراف "مجلس القطب الشمالي"، وأدى ذلك إلى توقيع ثلاث اتفاقيات قانونية ملزمة للدول الثماني المشتركة في القطب الشمالي، كل ذلك ما كان يتم لولا التعاون العلمي، الذي مهّد الدرب نحو نجاح الجهود الدبلوماسية!

استغلال العلوم في الدبلوماسية ليست أسلوباً جديداً، إذ أنه نهج وممارسة دبلوماسية من قرون عديدة، فلطالما كان التبادل والتعاون العلمي وسيلة لتقريب وجهات النظر وردم الفجوات، بل ومنع تصاعد الصراعات، غير أن مصطلح "دبلوماسية العلوم Science Diplomacy" لم يظهر إلا بعد نهاية الحرب الباردة، باعتباره وصفاً للحاجة إلى شراكات استراتيجية جديدة على المستوى الوطني لتعزيز أنشطة التعاون الدولى وللوصول إلى تسويات مقبولة في القضايا العلمية ذات الصلة، كالسلامة الأحيائية أو مكافحة انتشار الأوبئة مثلاً.

تعود أقدم قصص دبلوماسية العلوم إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حينما وقّعت معاهدة سلام بين فرعون مصر رمسيس الثاني وملك الإمبراطورية الحيثية خاتوشيلي الثالث، وقضت بتعزيز التعاون وتبادل الأطباء، إلى رحلات الاستكشاف العلمية المبكرة للعالم الجديد التي فتحت الباب لاستعمار القارتين الأميركيتن، كما يذكر أن "الجمعية العلمية في لندن لتحسين المعرفة الطبيعة" عام 1723م كانت لديها ما يشبه وزير خارجية، يتولى التواصل مع علماء أنحاء الإمبراطورية البريطانية، قبل ستة عقود من تعيين وزير خارجية للحكومة البريطانية نفسها!

في العام 2010م أصدت الجمعية الملكية البريطانية والجمعية الأميركية لتقدم العلوم منشورهما الموحد "آفاق جديدة لدبلوماسية العلوم"، الذي حددتا فيه المسارات الثلاثة لهذه الدبلوماسية الصاعدة، الأول: العلوم في الدبلوماسية، أي تقديم المشورة لإعلام ودعم أهداف السياسية الخارجية، الثاني: الدبلوماسية من أجل العلوم، أي أن الدبلوماسية من الممكن أن تسهل التعاون العلمي الدولي، الثالث: العلم من أجل الدبلوماسية، أنه يمكن للتعاون العلمي أن يحسّن العلاقات الدولية.

تعد دبلوماسية العلوم أحدث أدوات القوة الناعمة للدولة، وتكتسب قوتها من نتائج الاستثمار الوطني في تقدم البيئة العلمية وتشجيع البحث العلمي، مما يمكنها من قيادة والمساهمة في إيجاد حلول مشتركة وملزمة للتحديات التي تواجه الإقليم والعالم، مثل التغيير المناخي أو الكوارث الطبيعة، تقدم برامج التنمية المستدامة عبر برامج البحوث والتطبيقات العلمية المشتركة، تعزز التعاون والانسجام في العلاقات الدولية، لأن "العِلم منصة محايدة تسمح بإجراء حوارات أقلّ شحناً من الناحية السياسية، مما يسمح بإقامة جسور تساعد الجهود الدبلوماسية الشاملة" على حد تعبير رئيس مركز فليتشر لدبلوماسية العلوم د. بول آرثور بيركمان.

قد تستطيع دبلوماسية العلوم تحقيق ما لا تقدر عليه القوة العسكرية أو حتى الدبلوماسية التقليدية! لذا تبذل الدول المتقدمة المزيد في بناء قوّتها العلمية وشبكة تواصلها العلمي حتى تتمكن من تسخيرها لخدمة مصالحها القُطرية، ثم مصالح البشرية.