إن الأفكار التي قادت العقل، وأسرت قواه، سواء كانت نبتة البيئة أم غرس العالم من حولنا؛ هي أوضح البراهين أنّ العقل قد أُعطي من القيمة ما لم يستحقه، ومُنح من التكريم ما لم يبذل ربع ثمنه، وعُلّق عليه من الآمال ما لا يُظهر تاريخه قيامه بها..

يُؤسر العقل، ويستأسر بلين وهُون، وهو الذي يبني عليه البشر الخلاص والانطلاق! وأضرّ شيء على الإنسان أن يأتيه الشرّ من حيث يأمل الخير، وينتظر حصوله، وتلك حكمة فطنت لها العرب قبلنا، حين قالوا: مِن مأمنه يُؤتى الحذر، وأول الأشياء إذا عددنا العقل شيئاً تصدق عليه الحكمة، العقلُ، فطالما وثقنا فيه وتكلّمنا عنه، ورمينا كل شيء عليه، والسبب في هذا أنّنا نستحضر الضّفة المضيئة منه، ونعرفه من خلال عظمته ودهائه، مع أنّ العظمة والدهاء هما النزر اليسير في تاريخه، ولو حضرتا حين الحديث عن غفلاته ووهلاته، وما كان أكثرها؛ لكنّا عرفنا أننا ننتظر النصرة في الملمّات من سلاح مشكوك فيه مرتاب منه.

لا يفطن البشر إلى استسلام العقل، وخضوعه واستكانته وتاريخ ذلك منه، ولو فعلوا، وتأمّلوا تاريخه وعرفوا أن غالبه الاستكانة والضعف والانهزام؛ لما كان أملهم فيه كبيراً، ولا اّتكاؤهم عليه عظيماً.

إنّ الطريقة التي يعامل بها البشر عقولهم، هي نفسها التي قال فيها الشاعر القديم:

وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ

ولكن عين السخط تُبدي المساويا

نحن ننظر إلى العقل من خلال إنجازاته الباهرة القليلة، والنادرة في تاريخ الإنسان، ونلتفت إلى ما أفادت به ثلّة من العقول البشرية، ولو أعطينا الجانب المظلم في تاريخ العقل حقه، وتبصّرنا بمن أُسرت عقولهم وغابت ألبابهم ومضوا على أخطائهم؛ لما كان أملنا كبيراً فيه، ولا توقعنا خارجاً عمّا يُتوقع منه ويشهد به تاريخه! ونحن المسلمين لو نظرنا إلى حال العقل مع المذاهب في تاريخنا وحاضرنا؛ لكان أن نختار عطالة العقل، وتهاونه، وعدم جدواه؛ أقرب إلينا، وأدنى منا، وأولى بنا.

كم فكرة أسرتنا عبر تاريخنا، وكانت قيداً لنا، وجعلت العقل خادماً لها، وواقفاً ببابها يقوم بواجب الحجابة والحماية، أليس هذا معظم تاريخ العقل عندنا؟ إذن لماذا نفزع كثيراً إلى العقل، ونلوذ به، وننتظر منه النجدة، وهو الذي كان وراء ما نحن فيه، ينتصر به الخطأ، وينقمع به الصواب، ويُعزّ به المخطئ، ويُذلّ به المصيب؟

إن الأفكار التي قادت العقل، وأسرت قواه، سواء كانت نبتة البيئة أم غرس العالم من حولنا؛ هي أوضح البراهين أنّ العقل قد أُعطي من القيمة ما لم يستحقه، ومُنح من التكريم ما لم يبذل ربع ثمنه، وعُلّق عليه من الآمال ما لا يُظهر تاريخه قيامه بها، فكيف نستنجد بمن خذل تسعين من مئة، وغرّ ثمانية من عشرة؟

كم هم البشر الذين لم ينتفعوا من عقولهم حسب رأينا؟ وكم هم الناس الذين نرى أنّهم خسروا عقولهم، ولم يربحوا من ورائها؟ معظم الناس ينظرون إلى من يُخالفهم، ويبتغي غير سبيلهم، سواء أكانوا مفكرين ومثقفين أم بشراً عاديين، أنهم فقدوا الانتفاع من عقولهم، وزهدوا بخيره، ولم يُوفّقوا لحسن استغلاله، وهذا برهان آخر أننا نهب العقل ما لم ينهض به، ونعطيه ما لم يدّع لنفسه، وأننا حين نجعل العقل وَصفة لكل بلاء، وعلاجاً لكل نازلة؛ مخطئون عليه، ومُجانبون للصواب في النظر إليه، وناظرون فقط إليه من خلال إنجازاته وإضاءاته وليس عبر إخفاقاته وكبواته.

ولي على هذا شاهد من قصص التاريخ القديم، وما أكثرها لو كانت الذاكرة تُسعف المرء بكل ما قرأه، وتُذكّره بكل ما مرّ عليه، إذ حكى أبو نُعيم، صاحب "حلية الأولياء" أنّ سهل بن عبدالله الأصبهاني لقي أذى عظيماً من أهل بلده، الذين كانوا على مذهب أهل العراق؛ لأنه كان أول من حمل علم الشافعي إليهم، فاستعظموا ذلك منه، وبالغوا في الإساءة إليه والتنكر له، فكان كما ذكر أبو نُعيم عنه: "صبر على أذاهم، ولم يعارضهم بشيء محتسباً في ذلك إلى أن مضى حميداً رشيداً"، وكانت وفاته سنة ست وسبعين ومئتين.

تحمل لنا هذه القصة -ولا يغيب عنا تقدمُ زمنها- وجهاً من وجوه العقل، وتُبدي لنا زاوية من زواياه، يبدو العقل فيها عاجزاً عن قبول ما لم يألفه، منصرفاً إلى مناوأته والكيد لأصحابه، والغريب أنّ هذا الذي ناوأه، وتربّص بمُنتحله، أضحى ملء السمع والبصر في بيئة أخرى، يتلقاه الكبير، وينشأ عليه الصغير، يستغرب الناس غيره، ويلومون مخالفه، فكيف يأمن إنسان عقله ويحتكم إليه وهو يرى العقل في كثير من تاريخه يقبل ما يرفضه غيره ويُعادي ما يستحسن نِدّه، ولا يرى بعد ذلك حرجاً في فعله ولا مذمّة في صنيعه؟ هذه القصص التي تتكرر أحداثها، وتعود إلى الناس ذكرياتها، يشتكيها مظلوم، وينتقدها متضرر، ثم يقوم بها ويكون رأس الحربة فيها، ويظل الجميع مع كل ما يرونه ويمرون به مؤمنين بالعقل ومنتظرين هداه، راجين صَوبه، ومترقّبين عطاءه، وتلك هي شهادة المذاهب على العقل، وله عليها شهادة أخرى.