قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد مخاضٍ عسيرٍ، يخطو الليبيون اليوم نحو ترسيخ السلام على أرضهم، وذلك مع منح البرلمان الثقة للحكومة التي تشكلت بتوافقات سياسية بين كافة الأطراف، ويرأسها عبد الحميد الدبيبة. وهذا انتصار للجهد الذي تقوده البعثة الأممية في ليبيا وبعض الدول العربية التي سعت بجدية لدفع جميع الفرقاء إلى مسار التسوية السياسية، فاستضافت القاهرة الأطراف الليبية وتبنت «إعلان القاهرة»، الذي رسم خطوطاً عريضة للحل في البلاد، في حين باركت أبوظبي «مسار برلين»، وحشدت الجهود الدولية من أجل تأييده ودعمه والوقوف إلى جانب الليبيين في هذه المرحلة المفصلية، التي ستضع ليبيا على طريق عهد جديد من الاستقرار والتنمية.
من التوافق والثقة بين الأطراف الليبية، تنطلق حكومة «الدبيبة» بأعمالها على أرضية صلبة تعكس الإرادة والإصرار لبناء ليبيا الجديدة الموحدة والقوية، وهو ما سينهي حتماً معاناة شعب كابد كثيراً على مدار السنوات الماضية. غير أن أمام الحكومة الجديدة تحديات كبرى، فهي مطالبة بالتحرك السريع لإعادة الأمن والأمان لكافة أرجاء البلاد، وبإنهاء حالة الانقسام السياسي، وبإعادة تشغيل العجلة الاقتصادية بعد تجهيز البنية التحتية التي دمرتها الحرب، ومن ثم التحضير للانتخابات النيابية التي سيتم إجراؤها في ديسمبر المقبل.
في هذا الإطار يعتبر السعي لإتمام المصالحة بين مكونات المجتمع الليبي واجباً وطنياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وذلك من أجل علاج الجراح التي خلّفتها سنوات الحرب، وهذا هو السبيل الوحيد لطي صفحة الماضي، وفتح صفحة لا شائبة فيها. صفحة تقوم على العفو والتسامح وتجاوز الآلام، مع الالتزام بمحاكمة مجرمي الحرب.
في ليبيا اليوم عدة تنظيمات خارجة عن القانون - بعضها مُصّنف ضمن قائمة المنظمات الإرهابية - ومافيات محلية ودولية نشطت خلال سنوات الحرب والفوضى بعمليات تهريب النفط والمال والسلاح، وجميعها ساهمت بانفراط عقد الدولة منذ فبراير 2011، ورغم إشراف الأمم المتحدة بعدها على إعادة ترتيب الأوضاع، وإجراء انتخابات أفضت إلى نخبة سياسية ليبية جديدة، إلا أن الحرب نشبت، واشتعل الصراع بين الميليشيات والذي أججته عدة جهات وقوى إقليمية ودولية ظهرت أطماعها في ثروات البلاد، وكشفت عن نوايا السطو على ثروات ليبيا، ومن بينها النفط والغاز.
لم تتوقف الرحلات المكوكية للموفدين الدوليين الذين عينهم الأمين العام للأمم المتحدة، ولا الجهود التي بُذلت لترتيب تسوية سياسية عادلة، وجميعها شهدت محاولات متعثرة منذ اتفاق الصخيرات عام 2015، إلى أن اجتمع في جنيف الفرقاء الليبيون لاختيار رئيس وزراء جديد وأعضاء مجلس رئاسي تُعهد إليه عملية الانتقال الديمقراطي إلى حين تنظيم الانتخابات في ديسمبر القادم، وكان هذا الأمر بمثابة المعجزة.
اليوم نأمل أن يكون كل شيء على مساره الصحيح لتعود الأمور إلى ما يجب أن تكون عليه. لكن استكمال العمل وتثبيت ركائز السلام يتطلب من المسؤولين الليبيين اليقظة لحماية مشروعهم الوطني، والحذر من كل من أصحاب المصالح الذين حاولوا ويحاولون تعطيل خارطة الطريق الليبية.
التحديات كبيرة أمام الحكومة، وتخطي تلك التحديات يحتاج إلى رؤية سياسية واضحة وشاملة وخاصة، تسمو فوق الخلافات من جهة، ومن جهة ثانية تُجهض المخططات التي تعمل على زعزعة الاستقرار لتحقيق مآربها. كما على السياسيين الليبيين أن يضعوا نصب أعينهم آمال الشعب. تلك التي تتمثل بوحدة الأرض، والانتقال إلى مرحلة عودة المؤسسات الوطنية للعمل بكامل طاقتها، واستبدال سنوات الجحيم التي عاشوها بسنوات خير وسلام.