قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ما كانَ "اليوبيل الفضي" لـ 13 نيسان، لقد مرَّ منذ ردح. ولا "اليوبيل الذهبي"، إذ لم يحن بعد. تذكَّر اللبنانيون قبل أيام قليلة تلك "البوسطة" في الصحف والتلفزيونات ووسائل التواصل، مسجلين سابقة "الذكرى الـ 46" التي لم يسبقهم اليها أحد إحياءً لأبهج مناسبات.

لم يكن لفعل التذكُّر أن يحضر بهذا الحجم لولا اننا نعيش أوضاعاً تذكّرنا بمقدمات الذروة التي وصلنا إليها يوم 13 نيسان، فنحن يومذاك لم نفتح النافذة عصراً لنفاجأ بحرب أهلية - اقليمية مكتملة المواصفات.

لا يزال هدير تلك "البوسطة" يرسل إلينا سرديات، بعضُها عالق في خطاب مسيحي وجودي، وآخر في اسلامي - يساري يتغذى اليوم من "الممانعة" أو مقارعة "الامبريالية" بالتحالف مع الاستبداد (نظام دمشق نموذجاً). والكل ينتقي من الأحداث الغابرة ما يريحه. أما الأكيد فهو أننا لن نصل بسهولة الى قراءة التاريخ بموضوعية ولا الى قراءة موحّدة تؤسس لمستقبل آمن.

في ذاك الأحد من العام 1975 فقَدَت هذه المجموعة من البشر التي تعيش في لبنان دولتها، بل خيمتها. هذه حقيقة جلية لجريمة موصوفة أكبر من اجتهادات "المؤرخين" الهواة، أو من تبريرات الضالعين في تطويع حقائق التاريخ خدمة للعصبيات والأهواء والراهن من سياسات. ومنذ ذلك الحين تتكرر المشاهد، وخلاصتها البسيطة عودة الى ما قاله الرئيس المثقف شارل حلو: "الدولة الواحدة لا تتسع لجيشين". أما التتمة فمعروفة من الجميع من دون الغوص في جراح كل يتيم وثكلى وفقير ومنهوب من العام 1969 حتى زمن رياض سلامة وسائر التفاصيل.

على هامش "تنذكر ما تنعاد" تطفو المجموعات التي قطعت أملاً من الآخر بسبب طغيان العدد أو السلاح، أو التي تخلط الهيمنة بالاحتلال. وفي يد هؤلاء من الذرائع والمسببات ما يصعِّب رد الحجة باسم الوقائع والمصلحة العامة. وعلى هذا الأساس تتعدد المطالبات المخلوطة بالأحلام. وهي تبدأ من عقلانية طرح اللامركزية الادارية الموسّعة لتصل الى مطلب الفدرالية او الاتحاد. وهنا الأمثلة لا تحصى، من الولايات المتحدة الى ألمانيا الاتحادية وصولاً الى سويسرا الفدرالية وغيرها من التجارب الباهرة.

ينسى المتحمسون أن أي دولة فدرالية أو اتحادية تشترط توافقاً تاماً على مركزية الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، وبالتالي حصر قرار السلم والحرب بالشرعية. وهي عناصر لو التقى عليها اللبنانيون لانتفت الحاجة الى صيغ جديدة للنظام. فكيف اذا أضفنا بعد جائحة كورونا مركزية "الصحة" لأن الفيروس لا يقف عند خط تماس ولا يتخصص بطوائف؟ وعلى المثال نفسه نضيف البيئة والتكافل الاجتماعي وسائر مناحي الحياة في بلد لا تفصل مناطقه صحارى وأنهار، وشعبُه واحد مهما تنوعت الأديان والثقافات وابتعدت بعض شرائحه عن المشترَك العام.

منذ ثلاثين عاماً لم تكن لدينا مشكلة جوهرية في النظام، بل ثبت أنها في عصابة سلطة المال الحرام وعدم استرداد الدولة حقها في احتكار السلاح لتعاود حماية الناس. ومن أجل ذلك جاءت دعوة البطريرك الراعي الى "الحياد". ليس حلاً سحرياً، لكنه يلبي الحاجة ويشذّب الأوهام كلّها. وهو في النهاية دعوة جدية الى استعادة الخيمة التي اقتُلعت أوتادها في 13 نيسان، لتحويلها دولة قانون سيدة تجمع كلّ مواطني لبنان.