يقول سفر الحوالي في مقدمته لرسالته (العلمانية: نشأتها وتطورها وآثارها على الحياة الإسلامية): «ومع أن المراجع المذكورة آخر الرسالة لا تساوي إلا جزءاً مما قرأت، فإنني لا أشعر بشيء من الخسارة، بل أحمد الله تعالى الذي أراني الفكر الجاهلي الأوروبي على حقيقته. والحق أنني علمت علم اليقين أن هذا الفكر ليس باطلاً فحسب، بل هو أيضاً تافه هزيل، وتمنيت من أعماقي أن يهب الله كل شباب أمتي، ما وهب لي من معرفة تفاهته وهزاله»!
إن ما عبرت عنه هذه الأسطر، ما هو إلا إعادة صياغة مختصرة لما قاله سيد قطب في إضافة من إضافاته، بعد أن تشبع بالفكرة المودودية، لطبعة من طبعات كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام) اللاحقة.
هذه الإضافة التي لم تكن موجودة في طبعات الكتاب الأولى، تقول: «إن الذي يقول هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع، في معظم حقول المعرفة الإنسانية، ما هو من تخصصه وما هو من هواياته الثقافية، ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره، فإذا هو يجد كل ما يقرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم – وما كان يمكن أن يكون الأمر إلا كذلك – وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره. وإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها وعلى ضآلتها وعلى قزامتها، وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي!!!»!
الطريف طرافة نرجسية أن سفر الحوالي كتب تلك الأسطر وهو في سن الثانية والثلاثين! وكان وهو في تلك السن قد علم علم اليقين أن الفكر الأوروبي تافه هزيل، فضلاً عن أنه باطل الأباطيل. علمه اليقيني هذا يتناقض مع قوله قبل تصريحه هذا: «وقد عرفت منذ اللحظة الأولى أن مهمتي ليست بيسيرة، وأن عليَّ أن أخوض في ميادين بعيدة عن مجال دراستي الشرعية البحتة جاعلاً كل قراءاتي السابقة في الفكر الغربي بمثابة التمهيد فقط لما يجب عليَّ أن أنهض به».
ويتناقض أيضاً مع قوله بعد ذلك التصريح: «كان من أبرز العقبات التي واجهتني في هذا الباب (الباب الخامس هو المقصود) عرض النظريات المعقدة بأسلوب موجز سهل الإدراك».
فالفكر إذا ما كان فكراً تافهاً هزيلاً، فستكون القراءة فيه وعرضه ونقده عملية يسيرة جداً، ولن تكون فيه نظريات معقدة. وإذا كان ذلك الفكر بتلك الصورة الهزلية فإنه من الحماقة أن تنجز فيه رسالة علمية؛ إذ سيعد هذا العمل إضاعة للوقت بتوافه الفكر وسفاسفه غير المفيدة.
إن كلام سيد قطب الذي استنسخه سفر الحوالي استنساخاً غبياً يمثل عقيدة دينية دعا سيد قطب لها وهي «الإيمان المستعلي» أو بتعبير سيد قطب «الاستعلاء بالإيمان».
في كلام سيد قطب الذي عرض فيه تجربته الذاتية مع القراءة حدثنا أنه غرق في القراءة في الثقافة الغربية أربعين سنة كاملة، وأنه هجر القراءة في العلوم الدينية الإسلامية طيلة هذه المدة. ومع عودته إلى هذه القراءة... إلخ.
وبصرف النظر عن عدم صدق ما حدثنا سيد قطب به، فإنه يريد أن يزعم به أن له تجربة مديدة مع «الجاهلية الغربية»، وأنه ليس بنادم عليها، لأنه عرفها على حقيقتها... إلخ.
السذاجة هي أن يأتي سفر الحوالي فيحاكيه في هذا الكلام، مع أنه ليس له في يوم من الأيام تجربة مزحومة مثل السيد قطب في اعتناق «الفكر الجاهلي الأوروبي»، فهو نشأ وتربى وترعرع في محاضن الفكر الصحوي الإسلامي منذ أن كان دون المراهقة.
فهل يعتبر اطلاعه «على أمهات النظريات والاتجاهات في السياسة والاقتصاد والعلم والأدب والفن» إثماً وجاهلية معاصرة، تحتاج إلى تبرير ومماحكة واستعلاء قطبي؟!
إن قراءته في أمهات الكتب في المجالات التي ذكرها هي متطلب إجباري لإنجاز رسالة الماجستير في الموضوع الذي اختاره هو، وهو موضوع العلمانية، ولم تكن قراءته فيها خياراً واختياراً حرّاً، كما هي حال سلفه في النرجسية المتضخمة، سيد قطب.
لا يقتصر التناقض على ما ذكرته سابقاً، فبعد المقدمة وقبل الباب الأول عرّف العلمانية في ثلاث صفحات ونصف الصحفة.
في هذه الصفحات اعتمد في تعريفه للعلمانية على خمسة مصادر إنجليزية ومصدر عربي واحد. المصادر الإنجليزية هي ثلاثة قواميس باللغة الإنجليزية، وكتاب الموسوعة البريطانية، وكتاب آرثر جون آربري (الدين في الشرق الأوسط). والمصدر العربي هو (الكنز – معجم عربي فرنسي) لقاموسي سوري اسمه جروان السابق.
القضية ليست في تعريفه المتحيز للعلمانية، وإنما في اعتماده على مصادر إنجليزية، وهو لا يقرأ بالإنجليزية ولا يتحدث بها.
واللافت في هذه القضية أنه اقتصر في استخدامه للمصادر المكتوبة باللغة الإنجليزية على تلك الصفحات القليلة، وفي بقية الصفحات من رسالته ضخمة الحجم لم يستخدم أي مصدر مكتوب باللغة الإنجليزية.
لا أشك في أن الذي ترجم له الاقتباسات من المصادر الإنجليزية هو المشرف على رسالته، أستاذه محمد قطب. وكان بوسعهما أن يذكرا هذه الحقيقة التي لن يقلل ذكرها من شأن التلميذ.
بل أقول أكثر من هذا، وهو أن تلك الصفحات القليلة المعنونة بـ(تعريف العلمانية)، كتبها محمد قطب، لأن معظم ما جاء فيها هو ترجمة لما ورد في تلك المصادر الخمسة في التعريف بالعلمانية.
إن هذه القضية القائمة على التواطؤ على الكذب بين الأستاذ والتلميذ تشير من طرف خفي إلى أن عقيدة الإيمان المستعلي على (الفكر الجاهلي الأوروبي) غير صادقة عند الاثنين، وأنها تبطن خلاف ما تدعيه ظاهراً.
فإذا كان الفكر الأوروبي – كما قال سفر الحوالي – فكر تافه هزيل، فما حاجته لأن يدعي القدرة على القراءة في لغة من لغاته التي لا بد – حسب نظرته التتفيهية المتناقضة – أن تكون هي ولغاته الأخرى بمستوى تفاهة وهزال الفكر الذي صدر عنها.
في تقديري أن ما حصل هو أن الأستاذ أشار إلى تلميذه بأن رسالته عن العلمانية كي تكتسب مشروعية علمية لا مناص له من إيهام قارئ الرسالة الصحوي وغير الصحوي بأنه يقرأ باللغة الإنجليزية، وأنه يكفي لبث هذا الإيهام استخدام مصادر إنجليزية في الصفحات الأولى من متنها.
ومرد الخلل في أن استخدام هذه المصادر اقتصر على الصفحات الأولى منها، هو أنه لو امتد إلى صفحات أخرى كثيرة منها، لتحول عمل محمد قطب من عمل المشرف على الرسالة إلى عمل ترجمان لها من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.
ولو كان محمد قطب يقرأ باللغة الفرنسية لا باللغة الإنجليزية، لاعتمد سفر الحوالي في تلك الصفحات الأولى على مصادر مكتوبة باللغة الفرنسية لا مصادر مكتوبة باللغة الإنجليزية.
إن الذين تعرفوا إلى سفر الحوالي على المستوى الشخصي، وكانوا قد قرأوا ما كتبه في رسالته في صفحات معدودة عن «تعريف العلمانية»، تسرب إلى بعضهم شك في أنه هو كاتب الرسالة، ورأوا أن كاتبها هو المشرف على الرسالة، أستاذه محمد قطب!
مبعث هذا الشك أن سفر الحوالي لا يعرف حتى اليسير من اللغة الإنجليزية، وهكذا نرى، أن إشارة الأستاذ إلى تلميذه بإكساب رسالته مشروعية علمية غربية «جاهلية» ارتدت على نحو غير كريم على التلميذ وعلى أستاذه، رغم أن الأمر لم يتعدّ ما حكيناه.
ومن حسن حظ التلميذ وأستاذه أن الذين تسرب إليهم الشك كانوا قلة، وكانوا لا يستحسنون الجهر به في العلن، لأنهم يدرجونه - بتواطؤ حزبي ورفاقي - في باب الجهر بالسوء عن الصحوة وعن مشايخها.
رغم أن رسالة سفر الحوالي عن العلمانية طُبعت في كتاب في تاريخ متقدم من عمر الصحوة الإسلامية في السعودية، وهو عام 1982، فإنها لم تحظ بالانتشار في المكتبات وفي معارض الكتب في أعوام الثمانينات والأعوام الأولى من التسعينات، وأعزو ذلك إلى أن ناشر الكتاب ليس دار نشر تجارية، وإنما جهة غير ربحية، هي مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، وأعزوه أيضاً إلى أن الكتاب كتاب أكاديمي ضخم الحجم مليء بالإحالات والنقول، لا يستسيغ قراءته سوى محترفي القراءة في الأبحاث والكتب الأكاديمية، وهؤلاء يكونون قلة، فكان جمهور الصحوة العريض يستغنون عن قراءته بقراءة كتب إسلامية غير أكاديمية، موضوعها هو أيضاً العلمانية وتاريخها وآثارها وحكم الإسلام فيها.
لكن الكتاب أفاد سفر الحوالي عند ذلك الجمهور حتى من دون أن يقرأه الكثيرون منهم، بإظهاره كأنَّه الخبير الأول والأخير في العلمانية.
لذلك كان يلقي محاضرات في العلمانية. وهذه المحاضرات تسجل في أشرطة كاسيت، وكانت أشرطة الكاسيت التي يحاضر فيها عن العلمانية منتشرة بخلاف كتابه عن العلمانية.
أذكر أنني أول ما عرفت اسمه ارتبط عندي في أول الأمر بالخفة والتعالي الصبياني، بسبب رأي قاله في محاضرة قديمة له عن العلمانية.
أحضر صديق لي شريط كاسيت استعاره من زملاء له، وقال لي: المحاضر اسمه سفر الحوالي، ويقال إنه علّامة في العلمانية. وقد استمعت لمحاضرته كاملة. وسأنتقي لك منه مقطعاً يتعلق بإجابته عن سؤال من الأسئلة التي وجهت إليه بعد نهاية المحاضرة، وأنا متأكد أن إجابته ستضحكك كما أضحكتني حين سمعتها أول مرة.
في المقطع المنتقى سأله صحوي عن رأيه في رواية (الشيخ والبحر) لإرنست همنغواي.
أجابه سفر الحوالي: رواية (الشيخ والبحر)، رواية سخيفة تباع بثمن بخس قدره أربعة ريالات!!! وللحديث بقية.