قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نحن بالطبع نعيش في العالم المادي، ولنا فيه متطلبات لخصها أبراهام ماسلو Abraham Maslow" عام 1943 في نظرية دعاها "نظرية حوافز الإنسان" Theory of Human Motivation. وضع ماسلو، في هذه النظرية، متطلبات الإنسان في الحياة ضمن نموذج على شكل هرم يشمل خمسة مستويات، تبدأ بالمستوى الأول، حيث المتطلبات الأكثر إلحاحا وضرورة، ثم تصل متدرجة إلى المستوى الخامس، حيث المتطلبات الأقل إلحاحا التي تتبع مسيرة حياة الإنسان ومنجزاته فيها. يتضمن المستوى الأول المتطلبات المادية كالطعام والشراب والمأوى، ويشمل المستوى الثاني متطلبات الأمن والأمان كالأمن العام والأمان الصحي والوظيفي، ويتضمن المستوى الثالث، بعد ذلك متطلبات اجتماعية كالعلاقات الأسرية والصداقة، ثم يشمل المستوى الرابع متطلبات المكانة والتقدير مثل الاحترام وتقدير الأعمال التي يقدمها الإنسان عبر مسيرة حياته ويتضمن المستوى الخامس متطلبات التميز مثل تحقيق الأهداف والوصول إلى طموحات الحياة المنشودة.
استقبلت أفكار ماسلو استقبالا حسنا حول العالم، لأنها نمذجت متطلبات الإنسان وأوضحتها وقامت بهيكلتها وتصنيفها. وكأي أفكار أخرى شهدت تعليقات وتعديلات وانتقادات، لكنها بقيت مرجعا أساسيا لطرح متطلبات الإنسان في العالم المادي. في هذا العصر، عصر الثورة الصناعية الرابعة، لم تعد حياة الإنسان مقتصرة على العالم المادي فقط، بل باتت تشمل عالما آخر هو العالم السيبراني، حيث يقضي الإنسان، كل يوم، وقتا طويلا فيه.
لا شك أن وجود الإنسان يرتبط بالعالم المادي. لكن الإنسان، مع ذلك، ينتقل بوعيه وفكره ومشاعره، ولساعات طويلة كل يوم، إلى العالم السيبراني، حيث ينفذ كثيرا من الأعمال المهنية والنشاطات الاجتماعية، المرتبطة بالعالم المادي، عبر وسائل العالم السيبراني، أي الحاسوب والجوال والإنترنت، دون أن يستطيع بالطبع مغادرة العالم المادي. على هذا الأساس، تبرز متطلبات الإنسان في العالم السيبراني مستهدفة نجاح أعماله ونشاطاته فيه، من أجل حياته في العالم المادي. فليس العالم السيبراني، في حقيقة الأمر، سوى وسيلة ذكية في خدمة العالم المادي، يجب استخدامها والاستفادة منها في تمكين الإنسان من حياة اجتماعية ومهنية أفضل.
ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أن العالم السيبراني يشهد حاليا ظاهرتين رئيستين. تتمثل الظاهرة الأولى في تزايد توجه الإنسان نحو أداء مزيد من الأعمال والنشاطات عبر هذا العالم، وكان لفيروس كورونا الخبيث دور مهم في هذا التزايد. فقد رأى الإنسان في العالم السيبراني وسيلة تمكنه من تأمين استمرار كثير من الأعمال والنشاطات، رغم سياسات الانعزال والتباعد التي فرضها الفيروس الخبيث. أما الظاهرة الثانية فتتجلى في حقيقة أن تطور إمكانات العالم السيبراني، سمحت للإنسان بتنفيذ مزيد من الأعمال والنشاطات سيبرانيا. فقد وسعت إنترنت الأشياء مدى التواصل في العالم السيبراني وأسهمت زيادة التطبيقات والخدمات المعلوماتية في ذلك أيضا فضلا عن القدرات الخاصة التي منحها ويمنحها تقدم الذكاء الاصطناعي المطرد لكل ذلك.
يستطيع الإنسان، عبر العالم السيبراني، تنفيذ مختلف الأعمال والنشاطات المرتبطة بتداول المعلومات ومعالجتها وتفعيل الاستفادة منها، ويشمل ذلك شتى جوانب الحياة، بما في ذلك تلك التي تسهم في الاستجابة لمتطلباته الشخصية في العالم المادي، على المستويات الخمسة، المطروحة في نموذج ماسلو. وترتبط متطلبات الإنسان في العالم السيبراني بثلاثة مضامين رئيسة تشمل: تأهيل الإنسان سيبرانيا، وتوفير التقنية اللازمة له، وتأمين سلامة بيئة تنفيذ الأعمال والنشاطات سيبرانيا. وتأتي متطلبات الإنسان هذه، ليس في إطار نموذج هرمي متعدد المستويات، تختلف فيه الأهمية والضرورة تبعا للمستوى، لكن على أساس مستوى وحيد تتوازى فيه الأهمية بين جميع الحالات، وتتوافق الضرورة، وبدرجة مرتفعة.
تسمح الاستجابة لمتطلب تأهيل الإنسان سيبرانيا بجعله قادرا على التعامل مع العالم السيبراني بكفاءة وفاعلية ومستوى أخلاقي منشود، إضافة إلى متابعة التطورات والمستجدات والتمكن من استيعابها، والاستفادة منها، وربما الإسهام فيها أيضا. وتمكن الاستجابة لمتطلب توفير التقنية للإنسان من جعله جزءا من العالم السيبراني، يصول ويجول فيه، ليس في شخصه فقط، بل مع مختلف الأشياء التي يتعامل معها في إطار العالم السيبراني. أما الاستجابة لتأمين سلامة بيئة العمل، فتمكن الإنسان من تنفيذ الأعمال المهنية والنشاطات الاجتماعية بأمن وأمان وأداء متميز.
في إطار ما سبق، يعد تقرير المنتدى الاقتصادي الدولي WEF حول المخاطر العالمية Global Risk، لعام 2021، أن المخاطر الرئيسة التي يواجهها العالم ستشمل في العشرة أعوام المقبلة ثلاثة مخاطر رئيسة تتعلق بالعالم السيبراني. يرتبط أول هذه المخاطر بحدوث عدم مساواة رقمية Digital Inequality في العالم، أي قصور في الاستجابة لمتطلب توفير التقنية للجميع على مستوى العالم. ويتعلق ثاني هذه المخاطر بأمن العالم السيبراني Cybersecurity، ويرتبط بقصور الاستجابة لمتطلب تأمين سلامة بيئة العمل في العالم السيبراني.
ونأتي إلى ثالث هذه المخاطر، ويتعلق بحدوث أعطال في البنية الرقمية الأساسية IT Infrastructure Breakdown، حيث يؤدي ذلك عادة إلى توقف العالم السيبراني، وينتمي هذا الخطر كسابقه إلى قصور في تأمين سلامة بيئة العمل وموثوقيتها. ولم يتطرق تقرير المنتدى إلى المخاطر على متطلب تأهيل الإنسان سيبرانيا وتمكينه من التفاعل بكفاءة مع العالم السيبراني، وأداء الأعمال المهنية والنشاطات الاجتماعية فيه، ولا بد من التأكيد على أهميته حرصا على حسن استخدام إمكانات العالم السيبراني.
ومن المعلومات المثيرة حول متطلب سلامة بيئة العمل السيبراني ما نشرته مجلة الجريمة السيبرانية Cybercrime Magazine منطلقة من تقرير الحرب السيبرانية Cyber-warfare لعام 2021. فقد قالت المجلة: إن تكاليف هذا الخطر، على مستوى العالم، حتى عام 2025، ستكون أكثر من "عشرة تريليونات دولار سنويا". وهذه تكاليف باهظة على العالم بكل المقاييس.
للعالم السيبراني في حياة كل إنسان متطلبات ينبغي التنبه لها، والاستجابة لمضامينها. يجب تأهيل الإنسان سيبرانيا للتعامل مع هذا العالم، واستيعاب تطوره، وفهم مستجداته. ويجب توفير التقنية اللازمة له كي يكون شريكا قادرا في هذا العالم. ثم يجب تأمين المحافظة على سلامة بيئة العمل من كل