عام 1889، هو العام، الذي ولد فيه الكثير من المشاهير، الذين صنعوا زمانهم، وأبقوا خلفهم أثراً، أياً كان هذا الأثر، فمنهم: طه حسين، وعباس العقاد، وإيليا أبو ماضي، وتشارلي شابلن، وهتلر، وجواهر لال نهرو، وآخرون.
وهو ذات العام، الذي وُلد فيه الشيخ العلّامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، بعنيزة بالقصيم وسط السعودية، لكنه حُرم من أمه، إذ توفيت وهو ابن أربع سنين، ثم رحل والده وهو في الثانية عشرة من عمره.
كان والده، إماماً لمسجد «المسوكف» بعنيزة، وركناً من أركان ذلك المجتمع البسيط، يلجأ إليه الناس، ليوثق لهم مبايعاتهم، وأوقافهم، وديونهم، ووثائقهم.
في بيت عِلم، وصلاح، نشأ ابن سعدي، فعُرف بحرصه، منذ طفولته، على أداء الصلوات المفروضة والمسنونة، وأقبل الصبي، على العلم، وانفتحت شهيته للكُتّاب، فانخرط في سلك متعلمي القرآن الكريم، وأتم حفظ كتاب الله كاملاً، قبل أن يبلغ الثانية عشرة من العمر.
في كتابه: (علماء نجد خلال ثمانية قرون) يذكر تلميذه، الشيخ عبدالله البسام (1928- 2002) رحلة ابن سعدي الاستثنائية، في اكتساب العلوم الشرعية، فيقول: «واشتغل بالعلم على علماء بلده ومن يرد إليها من العلماء، وانقطع للعلم، وجعل كل أوقاته مشغولة في تحصيله حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعةً واستذكاراً، حتى أدرك في صباه ما لا يدركه غيره في عمر طويل. ولما رأى زملاؤه في الدراسة تفوقه عليهم ونبوغه، تتلمذوا عليه، وصاروا يأخذون عنه العلم وهو في سن البلوغ، فصار في هذا الشباب المبكر متعلماً ومعلماً. وما إن تقدمت به الدراسة شوطاً حتى تفتحت أمامه آفاق العلم، فخرج عن مألوف بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط، إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم التي فتقت ذهنه ووسعت مداركه، فخرج من طور التقليد إلى طور الاجتهاد المقيد، فصار يُرَجِّح من الأقوال ما رجحه الدليل وَصَّدَقَه التعليل».
في سن الثالثة والعشرين، صار السعدي، في مجتمع عنيزة، كالشمس للنهار، وكالعافية للناس، شهد له مشايخه، وأقرانه، بالأهلية، والتميز، والتفوق، وارتضى الناس أن يثنوا الركب بين يديه، ويستمعوا إلى دروسه، ويتتلمذوا عليه.
يحكي ابنه الأستاذ محمد السعدي، في كتابه: (مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي) عن الدور الاجتماعي المهم، الذي كان الشيخ السعدي يؤديه، في مجتمع عنيزة، فقد كانَ محل ثقة الناس، يحفظ أسرارهم، ويحل مشكلاتهم الأسرية، ويصلح ذات بينهم، ويشهد على وصاياهم، ويفتيهم في شأن دينهم، ويستجيب لمن يدعوه إلى قهوة أو مأدبة.
وفي مجتمع نجد، قبل قرن من الزمن، كان الشيخ السعدي، غفر الله له، عالماً مختلفاً عن العلماء التقليديين، قادراً على تجاوز مسلّمات البيئة ومستقرات الأعراف، واسع الأفق قياساً إلى مجايليه، ومقارنة بمعاصريه، في تلك الأيام، كان الناس يتوجسون من كل جديد، ولم يكن الشيخ رحمه الله يمتنع عن قبول الفكرة الجديدة، أو عن التأسيس لفكرة جديدة، إن وجد فيها صلاحاً لأمر الإنسان، في شأن معاشه أو معاده.
لم يكن المجتمع متقبلاً لفكرة اختراع «التلغراف»، وكان الناس يعدونه من عمل الشيطان، وكان الشيخ، بوعيه الاستثنائي، وذهنه المتوقد، يقنعهم بعكس ذلك. ولم يسبقه أحد في نجد إلى استعمال «المايكرفون» في المسجد، فقد كان الناس يرون إدخاله إلى المسجد بدعة! وكانت الأسرة الممتدة تسكن في بيت واحد، مهما كثر الأبناء والأحفاد، وكسر الشيخ السعدي هذه القاعدة، حين أمر ابنه الأكبر أن يستقل ببيت جديد، حين كثر أولاده، وتولى إقناع المجتمع بأن خروج الابن من بيت أبيه، ليس عيباً، ولا يدل على وجود خصومة بالضرورة.
ترك الشيخ السعدي، غفر الله له، مؤلفات تزيد على التسعين مؤلفاً، من أشهرها: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»، و«الدلائل القرآنية في العلوم العصرية»، و«الوسائل المفيدة للحياة السعيدة»، وهو تلخيص لكتاب دايل كارنيغي الشهير: «دع القلق وابدأ الحياة»، وعشرات أخر من الكتب، في مختلف الفنون والحقول الشرعية والفكرية والاجتماعية.
لم يكن ابن سعدي عالماً تقليدياً، بل كان مثقفاً عصرياً، قارئاً مطلعاً، أديباً، وكان، إضافة إلى قضائه وقتاً معلوماً من يومه في القراءة والكتابة، يدرّس في المسجد، وفي المعهد العلمي، ويفتي الرجال في المسجد، ويجلس لإفتاء النساء في داره، وكان - في بدايات تأسيس المدارس الحكومية - يرشح من تلامذته من يصلح للتدريس، ويحدد له نطاق صلاحيته، وكان تقييمه محل الثقة، لدى المسؤولين عن التعليم. وعُرض عليه منصب القضاء، عام 1941 فاعتذر عنه.
ومن تقدمه على معاصريه أنه أفتى بجواز نقل الأعضاء في وقت مبكر جداً، وذلك نحو عام 1956م، وإن لم يكن أول من أفتى من علماء المسلمين بجواز نقل الأعضاء، فهو من أولهم، والله أعلم.
ويذكر الشيخ حمد الجاسر أنه عندما رغب في تأسيس مجلة (اليمامة)، وذلك في مطلع 1372هجرية (1952م)، راسل الشيخ السعدي واستكتبه فرّحب الأخير بذلك، وبعث للمجلة بضع مقالات، وأرسل رسالة يثني فيها على فكرة نشر المعرفة بين الناس، نشرها الجاسر في تأبين السعدي، رحمهما الله.
لم يستطع السعدي الفقيه، أن يقصي السعدي الشاعر، عن مشهد الحياة، فقد كان الشيخ شاعراً، وكانت قريحته تجود بشعر عذب، يخرج من غير تكلف، ولا تقعر، ولو قيس شعره، إلى شعر الفقهاء، لكان متميزاً عنهم... اقرأه وهو يقول:
وكم يهيج الهوى قلبي فيتركني
لا أستفيق لما آتي وما أذرُ
وكم نصيح أتى يوماً ليعذلني
فصار يعذرني فيهم ويعتذر
يا لائماً في الهوى صباً أضر به
طول البعاد عن الأحباب مُذ هجَروا
فبات يرعى الدراري من تشوقه
وكاد منه الحشا والقلب ينفطر
لو كنت تدري الهوى أو قد بليت به
وذقت آلامه كالنار تستعرُ
لما اعترضت على العشاق لائمهم
لوم المحبين ذنبٌ ليسَ يُغتفرُ
يقول البسام متحدثاً عن شيخه السعدي: «له أخلاق أرق من النسيم، وأعذب من السلسبيل، لا يعاتب على الهفوة، ولا يؤاخذ بالجفوة، يتودد ويتحبب إلى البعيد والقريب، يقابل بالبشاشة، ويحيي بالطلاقة، ويعاشر بالحسنى، ويجالس بالمنادمة، ويجاذب أطراف أحاديث الأنس والود، ويعطف على الفقير والصغير، ويبذل طاقاته ووسعه في الخير، ويساعد بماله وجاهه، وينشر علمه ونصحه، ويدلي برأيه ومشورته بلسان صادق وقلب خالص وسر مكتوم».
وبعد حياةٍ طويلة، عريضة، عامرة بالتعليم، والتنوير، والإرشاد، والإصلاح، انتقل الشيخ السعدي إلى جوار الله، في شهر يناير من العام 1956، ومات الشيخ، ولم تمت مكارمه، ولا يزال ذكره حاضراً، وسيرته عطرة.