قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

استأثر الصاروخ الصيني الذي ضل طريقه باهتمام الدنيا لأيام عديدة، إلى درجة أن بعض الناس وبينهم كتاب أعمدة في الغرب، أخذ يتحسس رأسه وكأن كوكبا في طريقه إلى الارتطام بالأرض.
والإعلام كان منشغلا بمصير هذا الصاروخ، الذي أقام الدنيا وهو يبحر تائها في الفضاء الخارجي قبل دخوله المجال الجوي للأرض وسقوط أجزاء متناثرة منه في المحيط.
لكن هل حقا سقط "الصاروخ الصيني"؟.
هناك صاروخان يطيران ليس فقط في فضائنا وضمن نطاق فلكنا، بل ربما ضمن جغرافيتنا القريبة للاستحواذ أولا على عقولنا وقلوبنا، وثانيا ثرواتنا: أمريكا والصين.
أشرنا في مقال الأسبوع الماضي كيف أن الغرب صار يخشى الصين التي هي اليوم قاب قوسين أو أدنى من اقتسام الأرض وما عليها بغلالها وغلاتها مع أمريكا وحلفائها من الغربيين.
لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية تبرز قوة عظمى مع تصميم وتوجه ومسار وتحد يصل إلى درجة المواجهة في شتى المضامير ومنها العسكرية غايتها تقاسم الأرض وما عليها مع الغرب.
والصراع بين القطبين على أشده الآن، ووصل إلى ما وصل إليه من خطورة في غضون أعوام قليلة.
تاريخ الصراع الصيني - الأمريكي بحلته المخيفة حاليا يعود إلى ما بعد منتصف العقد الحالي من القرن الـ 21. أقول: "مخيفة" لأن أسلحة الدمار لدى الطرفين مرعبة قد تكفي لهلاك الأرض عشرات المرات.
الصين تحقق قفزات كبيرة في تطوير القوة التدميرية لأسلحتها النووية وكذلك القوة النارية لأسلحتها غير التقليدية.
حتى قبل نحو خمسة أعوام - إن لم تخني الذاكرة في عام 2015 - وقف جورج أوسبورن وزير الخزانة البريطاني أمام الصحافيين في بيجين عاصمة الصين، مرحبا بحرارة بما أسماه في حينه "العقد الذهبي" للعلاقات الصينية - البريطانية.
ماذا حدث في غضون خمسة أعوام فحسب كي يقف الحليفان الأطلسيان - أمريكا وبريطانيا - صفا واحدا، محذرين وأحيانا مهددين، وأحيانا خائفين أن المارد ربما خرج من قمقمه ويجب البحث عن وسيلة لإيقافه.
في رأيي، الخبر اليقين عند شركة هواوي العملاقة التي رأت فيها أمريكا نذير نهضة تكنولوجية فائقة التطور تسبق ما لدى أمريكا ذاتها في أقل تقدير بعامين أو أكثر.
قصة "هواوي" غير خافية على القراء، وكيف أن أمريكا عملت المستحيل لإقناع الحلفاء والأصدقاء وأحيانا من خلال لي الذراع للحد من هيمنة هذه الشركة الفتية والناشطة والصاعدة لتثبيت أقدامها في الأسواق الغربية الغنية بالموارد المالية.
لولا الضغط الأمريكي، وهذا حسب رأي الباحثين الغربيين، لكانت "هواوي" اليوم ربما أكبر شركة في الدنيا تأثيرا وقيمة سوقية.
وهنا أنا لست في طور تقييم الأسباب التي لجأت إليها أمريكا لإقناع أو إرغام حلفائها لحصار أو تضييق أو منع التعاقد مع "هواوي"، رغم أن منتجاتها لإنشاء البنى التحتية لدعم تقنيات التواصل من الجيل الخامس لا تزال حتى اليوم هي الأفضل والأكثر تطورا ورقيا.
ما أريد قوله هو أن الغرب لم يفلح في تركيع "هواوي"، تاج التكنولوجيا الصينية. صحيح، تأثرت بالمقاطعة، لكن ثبتت أقدامها أولا داخل السوق الصينية الكبرى في العالم، ومن ثم توسعت خارج العالم الغربي وفي أقاليم ودول سيكون لها شأن كبير في الاقتصاد العالمي في المستقبل القريب.
وفي الخمسة أعوام الماضية التي تغيرت نظرة أمريكا وبعض حلفائها الغربيين إلى الصين، برزت شركات صينية أخرى لديها من الطاقة والقوة الكامنة والبراعة التقنية والتكنولوجية ما يمكنها ليس فقط من منافسة مثيلاتها في الغرب، بل إزاحتها عن هيمنتها على الأسواق أيضا.
الغرب مصدوم من تطور الصين وليس بفقدانها السيطرة على صاروخها الذي كان يزن 21 طنا وطوله 100 قدم أطلقته في الفضاء، لأن هذا حدث مرارا للصواريخ الغربية ذاتها وتكراره وارد.
الصدمة التي تؤرق الغرب هي المعجزة الاقتصادية المتمثلة في نمو اقتصادي لا سابق له وتصميم سياسي على المضي به مهما كانت الصعاب. تغلبت الصين على وباء كورونا مبكرا وأغلب الدول الغربية لا تزال تئن تحت وطأته.
ومنذ عام 1978 عندما دشنت الصين انفتاحها الاقتصادي، تضاعف حجم اقتصادها نحو 40 مرة، وقفز الناتج المحلي من نحو 300 مليار دولار إلى أكثر من 15 تريليون دولار، والمعجزة على قدم وساق.
فهل سقط "الصاروخ" الصيني حقا؟.