قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يعرفه كل من اشتغل في النقد من خلال كتبه، صرامته وجديته، فقد كان دوماً خلاقاً وسباقاً في جهوده النقدية الحداثية الكبيرة التي وضعت النقد العربي على حافة التساؤل: هل النقد مجرد رأي في كتاب أو في قضية؟ أم هو شيء أعمق من ذلك، يمس آليات تفكيرنا اليوم لتقويمها وإعادة بنائها جذرياً، في مجتمعات حرمت من هذا الحق بسبب الاستعمارات المتعاقبة والأنظمة اللاثقافية المعادية للإنسان، التي خلفتها وراءها؟

بهذا المنطق يتخطى النقد وجهة النظر باتجاه إعادة بناء الإنسان كلياً، تابعت الناقد الكبير فيصل دراج، عن قرب، منذ أن كنت طالباً في دمشق الشام أعد رسالة دكتوراه بين جامعتي دمشق والسوربون، منذ اللحظة الأولى اقتربت من أطروحاته في تجديد الفكر العربي، كنت فخوراً بجهوده، وتابعته في مشاريعه العقلانية الكثيرة التي تركت وقتها أثراً كبيراً في الساحة الثقافية السورية والعربية، مع الروائي العربي الكبير عبدالرحمن منيف، والمسرحي المميز سعدالله ونوس، وكنت مساهماً متواضعاً بالمشاركة في ما كانوا ينشرونه، وأشهد أني تعلمت الكثير من تلك الأيام، وعلى الرغم من هيمنة المدرسة الكلاسيكية النقدية العربية على مجمل النشاط النقدي الجامعي العربي، فقد كانت المنطقة المغاربية التي جئت منها، في أوج النشاط النقدي البنيوي، بمختلف مدارسه، وكانت جهود المدرسة الشكلانية الروسية، التي قدمها تودوروف توفيتان تدرس في الجامعات وتترجم جهودها المعرفية، كان النقد التاريخي ينسحب مخلفاً وراءها نقداً يكبر داخل الحماس غير المؤسس معرفيّاً أو رفض المؤسسة النقدية العربية التي كان عرشها قد بدا يهتز بعنف.

فيصل دراج كان من الأقلية النادرة التي نادت وقتها بضرورة تجديد المؤسسة النقدية المترهلة التي كانت تعيش في دوامة التكرار، دون القدرة على تحقيق القفزة النوعية، فمد الجسور الثقافية العالمية نقدياً مع أسماء كبيرة ظلت سجينة الرؤية الستالينية للثقافة، كما انفتح على جهود السوسيولوجي لوسيان غولدمان صاحب البنيوية التوليدية، الذي شكَّل مساراً مستقلاً في البنيوية التي ربطت النص بالتعبير عن المجموعة الاجتماعية، وليس عن الطبقة كما في الأطروحات الاشتراكية السابقة، فالكاتب قد يخون طبقته ويكتب عن كل ما يقوضها ويهدمها، مثال بلزاك وتولستوي بشكل من الأشكال، يجب أن نقول إن مثل هذه المدارس النقدية الغربية، كانت لا تزال مغيبة في المشرق العربي في أواسط السبعينيات، حيث ظل النقد التاريخي هو سيد كل شيء، ولم يخرج من دائرته الضيقة إلا مع كوكبة من النقاد العرب المميزين، على رأسهم فيصل دراج الذي انتقد الثبات والدوغما، قبل أن تأتي بعده كوكبة من النقاد غيرت نظام رؤية النص الأدبي، الروائي تحديداً.