كما نكسة 67 وكما الحرب العراقية الإيرانية، وكما حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله التي استمرت 34 يوماً ذاق فيها اللبنانيون الويلات، إضافة لحروب حماس وإسرائيل التي تبدأ برشقات صواريخ وتنتهي بتدمير حياة الناس في غزة، دائماً ما تروج المنظمات الإرهابية عن انتصارات وهمية في معركتها مع خصومها، لردم هوة الخسائر الفادحة، والأرواح المهدرة على مذبح الزعامة والأيديولوجيا، من طهران إلى صعدة.

في حرب الأيام الخمسة العام 67 كان الانتصار عدم انهيار قيادة عبدالناصر، وفي الحرب العراقية الإيرانية تشكل النصر في بقاء الخميني ومنظومته الدينية والأمنية، بالرغم من مقتل ملايين الإيرانيين على جبهات القتال، وانهيار اقتصادي واجتماعي مستمر لليوم.

أما في معارك تموز 2006 وبالرغم من أن نصر الله خرج مزهواً بنفسه يهز أوداجه ويبتسم بمكر، مهدداً بضرب حيفا وما بعد بعد حيفا بصواريخ التنك، إلا أنه وبعد عبور الدبابات الإسرائيلية نهر الليطاني باتجاه الضاحية، استفاق من سكرته، وبدأ في اللطم والتبهل عند الأبواب السعودية طالباً شفاعتهم لدى الغرب للضغط على تل أبيب لإيقاف الحرب، مع التذكير أنه كان بداية مغامرته الفاشلة يجرف باتجاه السعودية وقيادتها، فقط لأنها نصحته بعدم التهور وحملته مسؤولية دماء اللبنانيين.

ما حصل مع نصر الله، فعله خالد مشعل وإسماعيل هنية عدة مرات في حق الشعب الفلسطيني، إذ تتضمن مغامراتهما العسكرية المحفوظة عن ظهر قلب، بناء على طلبات صادرة من عواصم عربية أو إقليمية لها السيطرة على قرار حماس، إرسال رشقات من «صواريخ التنك» على أعيان مدنية إسرائيلية، معتمدين على كفاءة جيش إسرائيل في صدها وعنف آلته العسكرية، التي ترد بلا عقل وتصيب مراكز عسكرية ومدنية، وملحقة أضراراً فادحة بالبشر والحجر، لتبدأ حملات حماس وإعلامها الموازي في تصدير الأزمة الإنسانية التي هم من تسبّب بها بداية.

وكما حصل مع عبدالناصر والخميني ونصر الله، يحصل اليوم مع مشعل وهنية والنسور الذي انضم مؤخراً للمجموعة المقاتلة من خلف الأقبية، ليتحول بقاؤهم أحياء إلى انتصار إلهي.

لأول مرة في تاريخ الحروب البشرية تتحول رمزية الانتصار من هزيمة الجيش المقابل إلى بقاء القائد والزعيم الملهم حياً، ولتصبح الأمة جميعها بمقدراتها وأرواحها مسيرة ومسخرة لأجل عينيه وسلامته من أن يطالها شيء من آثار الحرب.

هذا التكتيك الذي تتبناه الأمم الفاشلة والتيارات الخائبة، لا يحقق شيئاً سوى أوهام إعلامية وإهانة تطال مختلقي قصصها عبر التاريخ.

اليابان وألمانيا وإيطاليا عندما هزمت في الحرب العالمية الثانية اعترفت بخسارتها، لم يعلن إمبراطور اليابان أن بقاءه كان انتصاراً ربانياً، وموسوليني وهتلر لم يهربا من مواجهة قراريهما إلى فنادق هونج كونج كما «زعماء التنك»، بل قاتلا في المعركة حتى الرمق الأخير، كما أن شعوبهم اعترفت بخياراتها الخاطئة، وتصالحوا مع الفشل الذي تحقق، وهو ما دفعهم للانتصار في معركتهم الأخرى مع الاقتصاد والتنمية المستدامة، الأمر الذي حوّل طوكيو وبرلين وروما إلى عواصم الاقتصاد وإمبراطوريات التقدم.

ما قام إعلام الممانعة وفلول القومجية من تدمير للعقل العربي ونكس لفطرته، يحاولون فعله اليوم مع الحوثي، الذي فشل في كل شيء إلا في قتل الأبرياء والاستيلاء على حقهم في الحياة.

ودعونا نضع جردة حساب لنرى هل انتصر عبدالملك الحوثي أم خسر حربه ضد الشرعية اليمنية؟!

قبل كل شيء لا بد أن نقر، أن المعني بالانتصار في اليمن هي الحكومة الشرعية وليست السعودية، وأن المملكة والتحالف العربي والمجتمع الدولي هدفهم الوحيد مساندة الشرعية في استعادة بلادهم بعاصمتها صنعاء وإخراج الحوثيين منها.

في العام 2014 كانت إيران -اليد المحركة للحوثيين- في المواقع التالية:

قاعدة عسكرية إيرانية في السودان، مكاتب ثقافية مكّنها الإخوان من افتتاحها في بعض المدن السودانية، تحويل جزر حنيش إلى مراكز عسكرية متقدمة للحرس الثوري، يتم فيها تخزين وتهريب السلاح والمخدرات، وأخيراً انقلاب ميليشوي ارتكبه الحوثيون في صنعاء.

ومنذ بداية عاصفة الحزم، أخرجت إيران من أرض السودان، ونظفت جزر حنيش العربية من الحرس الثوري الفارسي، وعاد البحر الأحمر بحيرة عربية خالصة.

أما الانقلاب «الحوثي الإيراني» فقد بقي معزولاً بين جدران صنعاء، بعدما استطاعت المخابرات السعودية إخراج القيادة اليمنية الشرعية من تحت الانقلاب، ودافعت عنها أمام المجتمع الدولي، وانتزعت الاعتراف بها ممثلاً شرعياً ووحيداً، وفي عدن ومأرب الاستراتيجية اندحر الحوثي ولم يبق له من الأراضي اليمنية إلا صنعاء وصعدة، ومع ذلك بقي مطار صنعاء وميناء الحديدة مغلقين أمام التصرف الحوثي الأحادي، لأنهما استخدما في تهريب الأسلحة، إنه انتصار في قناة العالم والميادين وناشطي الضاحية، أما الحسم فهو ما رآه الحوثي وسمعه وروع قلبه وشتت جنوده لا ما يقوله إعلام الضاحية وغزة وطهران.