العام الماضي عندما اجتاح وباء (كورونا) العالم وبدأ تطبيق إجراءات الحجر تعطلت أغلب القطاعات، كان أغلب الحديث عن كيفية شكل عودة الاقتصاد العالمي، والواضح أن بعض القطاعات سوف يستمر في النمو وأخرى سوف تنحسر حتى لو زالت أحداث الجائحة، وذلك أقرب لشكل K، وستكون لذلك انعكاسات طويلة في سوق العمل والمجتمع.

لم تكن الأزمة في أصلها لأسباب اقتصادية أو عسكرية بل وباء واجهته أغلب دول العالم عبر قدراتها العلمية من تقنية ومختبرات وهو ما دفع الشركات في العالم التنافسي الرأسمالي لتحول أوضاع الجائحة فرصاً عديدة، والدليل أن ذلك انعكس على هامش أرباحها، فمثلاً هامش أرباح شركات مؤشر s&p ارتفع في الربع الأول لهذا العام إلى 12 % قياساً بـ8 % للربع نفسه من العام الماضي والذي لم يكن قد تأثر كثيراً بالجائحة.

هذا التطور التقني والمعرفي والذي انعكس على أرباح الشركات، انعكس أيضاً على سلوك الأفراد خصوصاً الشباب جيل GZ والذي في استطلاع أعدته (Citrix) أن 29 % يرغبون في العمل من البيت مقابل 10 % فقط من المكتب، ونسبة 61 % هجينة لا تمانع من العمل في كلا البيئتين، ولكن أغلبها يفضل البيت، وهذا أحد العوامل التي دفعت أسعار المنازل للارتفاع ما بين 5 % إلى 10 % في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية لأن البيت أصبح مكتباً أو شركة وأحياناً مدرسة.

هناك تغير أهم في سوق العمل هو أن هذا التغير الدائم في القطاعات سيوف ينعكس على نوعية الوظائف والمهارات، حيث بلغت نسبة الشركات الأميركية التي تجد صعوبة في إيجاد مهارات معينة في وظيفة واحدة أو أكثر إلى نحو 42 % من عدد الشركات، وهذه النسبة ترتفع مع التطور التقني، حيث كان متوسط هذه النسبة في الأربعين سنة الأخيرة 22 % (Refinitiv)، وكذلك نسبة الذين يتركون وظائفهم طوعاً في القطاع الخاص قبل بلوغ سن التقاعد بلغت مؤخراً أعلى مستوياتها 2.7 %، والتي من أسبابها تطور التقنية التي تجعل البعض غير مناسب لسوق العمل.

أخيراً، إن التصور بأن فئة العاطلين ستبقى بين 5 - 4 % في الولايات المتحدة قد تكون خادعة ولا تعكس حقيقة الطلب النوعي في سوق العمل الذي أصبح أكثر ذكاء وانتقائية وأقل اعتماداً على المهاجرين، وسيكون بداية لشكل اجتماعي جديد بعد الجائحة.