لا جدال حول عدم وجود إعلام محايد في شتى بلدان العالم لاسيما المتحضر منها وليس الجميع، فالمصالح الاقتصادية والسياسية تتفاوت في تأثيرها على توجهات الصحافة والإعلام ككل، من دون المساس والتشويه لطبيعة المناخ السياسي والإعلامي والمجتمعات تاريخيا، كما صانتها دساتير العالم التزاما واحتراما لقوانين ومواثيق دولية.
لكن تظل مساحات الحرية والعدالة والقيم المهنية هي الميزان الذي يتحكم في معظم ما يطرح خبراً ورأياً وتحليلاً في الدول المتقدمة والكبرى تحديدا، بخلاف الوضع في الدول الأخرى والصغيرة والنامية أو تحت النمو السياسي، فهناك دول تعصف فيها عوامل اجتماعية وسياسية معقدة وتكون غالبا ذات انظمة هشة بسبب طبيعة النظام الاستبدادي وحكم الواحد المنفرد بالقرار، فيما يستقر تهميش ربما بتعمد مؤسسات الدولة والمجتمع وحتى الدساتير إن وجدت.

في وقت مضى، كان اللوم الشديد يذهب إلى الحكومة في الانصياع للشارع والرأي الغوغائي، فحكومات متعاقبة خضعت للمطالب الشعبوية على مر التاريخ، بل تنازلت عن قيادة التنوير، ولذلك تعمقت هوة الفجوة بين الشعب وحكومات في أزمنة سياسية مختلفة.

في المقابل، يلاحظ منذ زمن استحواذ اهتمام إعلامي وصحافي بشكل خاص في ابراز لافت لمقترحات وآراء نيابية غير رصينة في مضمونها، بل هي شعبوية الاهداف والمكاسب الانتخابية، التي يفترض ألا تحصد ضوءا صحافيا كما يحصل عند البعض الصحف حين تتصدر صور بعض النواب مع مشاريع قوانين لا صلة لها بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

فالتكسب الانتخابي والغوغائية ليسا عملا مشروعا ومبررا بالمجتمع، ولكنهما يتلاقيان مع مصالح اعلامية تتحكم فيها رغبات بعض من يعمل على جبهة نيابية وصحافية في آن واحد، ومن دون ادراك وتدقيق مهني من قبل رئاسة وأسرة التحرير.

مثلا، هل يعقل أن تفرد صحيفة أو أكثر على صدر الصفحة الأولى أخباراً وصوراً لبعض النواب الذين يلهثون وراء التكسب الانتخابي مع ابراز غير مهني لمشاريع قوانين وتصريحات ومقترحات تحمل في طياتها الاخطاء الفاحشة في اهدافها على حساب مصالح الدولة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً؟!

لا يعقل بالتأكيد هذا الانحراف الإعلامي عند العيون الفاحصة والعقول الفطنة لمصلحة العامة وليس الخاصة، ولكنه كما يلاحظ هدف رائج صحفياً بسبب غياب القيم والقواعد المهنية والمسؤولية الوطنية ازاء تحديات اليوم والمستقبل على شتى المستويات.

إنها دعوة لملاك الصحف ورؤساء التحرير في التمعن فيما ينشر وينقل عن بعض النواب للتدقيق في المحتوى والضرر الناجم من منح مساحات نشر لأخبار لا تستحق التعميم اساسا وتض المصلحة العامة.

فالنضوج المهني الحتمي والمسؤولية المشتركة في إشاعة الحكمة والعقل والمنطق، ينبغي ان يكونا مسؤولية مشتركة عند الكل في الميدان الإعلامي، تصديا لغوغائية الطرح النيابي وصرف النظر عن الآراء الحصيفة وعدم منحها ما تستحق من مساحة وضوء إعلامي.