قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا ظروف الجزائر التي تمر بها منذ رحيل الرئيس بوتفليقة عن السلطة، تحتمل وجود حكومة غير مستقرة فيها، ولا مساحتها المترامية الأطراف التي تزيد على مليوني كيلومتر مربع، والتي تجعل منها أكبر دولة عربية على مستوى المساحة.
مناسبة هذا الكلام أن انتخابات برلمانية جرت هناك في 12 من هذا الشهر، ولم يحصل أي حزب على الأغلبية المطلقة التي تؤهله وحده لتشكيل الحكومة، بما في ذلك حزب جبهة التحرير الوطني، الذي ارتبط تاريخه بمسيرة الاستقلال في البلد.
وقد حصل هذا الحزب على ربع عدد المقاعد تقريباً، وحصلت الأحزاب الإسلامية، وفي المقدمة منها حزب مجتمع السلم، على الربع تقريباً أيضاً، بينما يتوزع النصف الباقي على المستقلين من المرشحين، وعلى بقية الأحزاب التي دخلت السباق الانتخابي، وهي طامحة إلى تشكيل الحكومة وحدها، أو المشاركة في التشكيل تحالفاً مع آخرين على الأقل.
وهكذا... سوف يجد الرئيس عبد المجيد تبون أنه أمام تركيبة مُحيرة من الأحزاب الفائزة ومن المستقلين الفائزين، وهي مُحيرة لأنه لا يوجد حزب قادر على أن يحظى وحده بمهمة تشكيل حكومة جديدة، إلا تحالفاً مع حزب آخر أو أحزاب أخرى.
والتجربة الحية أمامنا في حالة كهذه تقول، إن الحكومة التي لا يشكلها حزب واحد حصل على نصف عدد المقاعد زائد مقعد، هي تجربة حكومية تبقى في مهب الريح، وهي تجربة تأتي بحكومة تنفق من وقتها في الحفاظ على التحالف القائم وراء تشكيلها، أكثر بكثير مما تنفق من الوقت نفسه في السعي إلى حل مشاكل الناس!
ولماذا نذهب بعيداً وأمامنا تجربة الحكومة في تونس التي تقع على حدود مباشرة مع الجزائر؟!... فحزب حركة النهضة الإسلامية التونسية حصل في آخر انتخابات برلمانية على الأغلبية، ولكنها الأغلبية النسبية التي لا تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده، فكان لا بد من تحالفه مع حزب آخر أو أكثر لتشكيل الحكومة، وهذا ما حدث لأنه لم يكن أمامه سوى هذا البديل.
وقد تشكلت الحكومة على هذا الأساس بالفعل، فلم تستمر سوى فترة قصيرة جاءت بعدها حكومة جديدة، ثم جاءت حكومة هشام المشيشي الحالية التي تبدو مصابة بحالة من الشلل السياسي، والتي لا تكاد تتقدم خطوة في تقديم ما يجب أن تقدمه لمواطنيها، حتى تجد نفسها مشدودة إلى الوراء بفعل أشياء كثيرة، أهمها أنها ليست حكومة حزب حاصل على أغلبية مطلقة.
وقد ضج الإخوة في تونس من وضع لا تستطيع فيه الحكومة إلقاء المناكفات السياسية وراء ظهرها، لتتفرغ لما ينفع الناس ويعود عليهم بما لا يزالون ينتظرونه فيما يشبه اليأس، منذ أن أزاحت ثورة الياسمين زين العابدين بن علي من السلطة قبل عقد كامل من الزمان!
ضج التونسيون وهُم يجدون أنفسهم في وضع لا يُحسدون عليه، وهل هناك أشقى من أن يجدوا أنفسهم إما في وضع (يتفرجون فيه) على صراع الصلاحيات بين الرئيس في قصر قرطاج وبين رئيس الوزراء في قصر القصبة، وإما في وضع يواجهون فيه معاناة على المستوى الاقتصادي بالذات، لم يسبق أن واجهوه في عصر زين العابدين ذاته، وقت أن كان في (عز) سطوته وسلطته!
وضع من هذا النوع قد تحتمله تونس، بحكم عدد سكانها الذين هُم في حدود ثلث سكان الجارة الجزائر، وبحكم المساحة التونسية التي هي أقل بكثير جداً من المساحة الجزائرية الممتدة لآلاف الكيلومترات مع الدول المجاورة!... ولعلنا نتذكر أن هذا هو حال حكومة المشيشي، رغم أنها تشكلت على أساس ما يسمى حكومة الكفاءات المستقلة، لا على أساس الحصص الحزبية الفائزة في الانتخابات.
إن حزب جبهة التحرير إذا أراد تشكيل الحكومة، فلن يستطيع ذلك بمفرده، وسوف يكون عليه أن يذهب إلى تحالف مع حزب آخر يوفر له الأغلبية المطلقة، وحين يحدث هذا فلن تكون هذه الخطوة هي نهاية المطاف، لأن حزب الجبهة سوف يحكم وفي عقله قناعة بأنه أولى بالحكم، لا لأنه حاز الأغلبية التي تؤهله للحكم منفرداً، فهو يعرف وغيره يعرف أنه لم يحققها، ولكن لأنه من الصعب أن ينسى أنه حكم من قبل كثيراً وطويلاً، وأنه صاحب تجربة طويلة في الحكم والهيمنة.
هذه هي المشكلة وربما المعضلة التي ستظل تطل من وراء ستار، لو أن حزب الجبهة جاءه تكليف من الرئيس تبون بتشكيل الحكومة تحالفاً مع أحزاب أخرى!
والسؤال هو: هل تحتمل الجزائر بظروفها وحدودها وجود حكومة لا تستقر في مقاعدها، ولا تعطي وقتها كله لتلال من القضايا، أقلها قضية الإرهاب الذي يعبث في الفناء الخلفي للبلد؟!... إنه الفناء الذي يضم دول الساحل والصحراء من تشاد شرقاً إلى موريتانيا غرباً.
من الوارد أن يقوم تحالف بين حزب الجبهة من ناحية، وبين الأحزاب الإسلامية وفي مقدمتها حزب مجتمع السلم من الناحية الثانية.. هذا وارد رغم الخلاف السياسي بين الطرفين، ولكنه تحالف في حالة توافره سوف يظل مشكلة أكثر منه حلاً للإشكال!
والسبب أن الأحزاب الإسلامية ذهبت إلى سباق الانتخابات، وفي ذهنها أنها قادرة على توفير أغلبية مطلقة تضمن لها تشكيل الحكومة منفردة، من دون تحالف مع أحد ولا مع أي طرف آخر، وقد تابعنا وقرأنا كلاماً لعبد الرزاق مقري، رئيس مجتمع السلم، يقول هذا المعنى ويسبق به في مرحلة ما قبل الانتخابات.
وعندما لم يتحقق ما كان يبشر به ويتوقعه، فإنه راح عبر وسائل الإعلام يشكك في نزاهة العملية الانتخابية ذاتها، وقرأنا أحاديث له وللأحزاب الإسلامية الأخرى، تدعو فيه الرئيس تبون إلى التدخل لحماية الشرعية الانتخابية.
الفكرة في الجزائر أن حزب جبهة التحرير ربما يكون في حاجة إلى أن يدرك، أن سطوته على الحكم في سنين سابقة لم تعد متاحة الآن بالكيفية نفسها، وخصوصاً في مرحلة ما بعد ذهاب بوتفليقة، وأنه كحزب لا بد أن يتسع صدره السياسي لآخرين معه توافقاً في مقاعد الحكم.
فلقد كان فوزه بربع عدد المقاعد نوعاً من المفاجأة لكثيرين كان ظنهم أنه سيتوارى كحزب مع انتهاء زمن بوتفليقة، ولذلك، فهو إذا كان قد عاد فعودته هي عودة من نوع القدرة على البقاء، لا القدرة على الانفراد بالساحة كما كان الأمر يجوز في زمن مضى!
والفكرة أيضاً أن الأحزاب الإسلامية مدعوة إلى إدراك حقيقة تقول، إن عشرية التسعينات مضت وانقضت هي الأخرى، وإن مزاج الناخب في الجزائر لم يعد مؤهلاً لإعادة إنتاج ما كان قد جرى إنتاجه في تلك العشرية القاتمة، التي يذكرها المواطن الجزائري كما لا يذكر شيئاً غيرها، والتي لا يبدو أبداً مستعداً للعودة إليها ولا إلى أجوائها السوداء!
الفكرة في نتيجة الانتخابات المعلنة أن الجميع لا سبيل أمامهم سوى أن يكونوا شركاء في الحكم، وأن وجود أي حزب من الأحزاب الفائزة في موقع المعارضة، معناه أنه شريك في الحكم ولكن من موقع مختلف، فهذا هو ما تقول به تجارب الحكم الناضجة في العالم من حولنا.
إننا كثيراً ما نردد في هذه المنطقة من العالم، أن المعارضة جزء من الحكم، ولكنها مقولة نرددها فيما يبدو عن تطلع إلى ظلالها في تجارب للحكم خارج المنطقة، لا عن إيمان حقيقي بها في الواقع الحي عندنا، ولو رددناها عن إيمان بها لاستقر الأمر في عواصم كثيرة من عواصم منطقتنا، وفي المقدمة منها الجزائر العاصمة!