على عكس ما ركز عليه المفكر الأميركي جون ديوي John Dewey (1859 - 1952) في مؤلفاته حول شتى المشكلات الذهنية التي تواجه عملية التفكير، والحاجات الملحة للتحفيز على التفكير المادي المجرد، تشيع عملية تعطيل العقل، بل شله عن التفكير!
لا شك أن شيوع ظاهرة مناهضة للتفكير، والتبصر في المحيط العربي بوجه خاص، تشكل تهديداً خطراً على ثقافة المجتمع وتطوره بشكل متسق مع العلوم والتدبير المهني والبراغماتي في معالجة شتى التحديات وبمختلف الميادين.

في العالم الغربي وبعض البلدان العربية المتحررة من القيود الرقابية في التعبير والبحث والنشر يترسخ المناخ الطبيعي للإبداع والتفكير والتفكر، والعكس يؤدي إلى غل حركة العقل البشري من التمتع في التفكير الذهني الحر.

يسلط المفكر التربوي والاجتماعي جون ديوي الضوء في كتابه «كيف نفكر؟» Reconstruction على جوانب مهمة للغاية بالنسبة للعامة وطلبة المدارس والجامعات والمدرسين، وما يميز البشر عن المخلوقات الأخرى، ودور المؤسسات التعليمية في تعزيز التفكير.

يواجه جون ديوي في متن «كيف نفكر؟» العوامل التي تحول دون التفكير، حين يصل «التعامل مع التلاميذ إفرادياً وليس إجمالياً جراء قلق المدارس من مضاعفة الدراسات، ولكل منها اضعاف مضاعفة من المواد والمبادئ»، التي ينتهي المطاف فيها إلى الحيرة.

فموقف الطفولة الفطري وغير الفاسد، المميز بفضول شديد وخيال خصب، وحب الاستفسار التجريبي قريب من موقف العقل العلمي، يقتضي إعطاء «تقدير العلاقة حق قدرها والتأمل على نحو جدي في كيفية تمييزها في الممارسة التربوية بما سيظهر أثره في السعادة الفردية وتخفيف الهدر الاجتماعي».

يتجلى الهدف الذي ركز عليه جون ديوي في دعم النهج الإصلاحي اجتماعياً وتربوياً من خلال تحديد معانٍ عديدة للتفكير والتفكر والحاجة إلى تدريب الفكر والمصادر الطبيعية في التدريب وشروطه ووسائله الذهنية وصولاً للغاية النفسية والمنطقية.

وجدت الكثير من المعلومات المفيدة للغاية بالنسبة للعقل البشري وحجم الفائدة المجتمعية منه، والشرح العميق لأهمية التفكير ومنح الحركة الذهنية القدر المستحق من التحفيز والتوجيه على نحو صحيح، إلا أن النقيض هو في الواقع العربي اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وتعليمياً.

فالتناقض الشديد يكمن في محاكمة العقل والقلم والريشة، ووأد حرية التعبير والتفسير الحر، من دون قيود حكومية المنشأ، تشكل في مضامينها وأهدافها تقويض الحركة الذهنية وهدمها قبل نموها وتطورها.. فالتطور يعني تهديداً للأنظمة السياسية الهشة.

في زمن مضى، كنا ننبه إلى خطر نشوء ظاهرة القمع للحريات ووأدها في مهدها.. لكن الظاهرة تحولت اليوم إلى ممارسة رسمية وهدف أنظمة الاستبداد بالرأي والحكم، بدلاً من إشاعة وترسيخ مفاهيم الحريات والتعددية الفكرية.

نحن أمام اجتياح منظم نحو تصدير منهج كيف لا نفكر وليس «كيف نفكر»؛ على عكس الواقع والمنشود والمشروع اجتماعياً وسياسياً وإصلاحياً، بالرغم من المناشدات الصادقة بأن الشعوب شريكة في الإصلاح وليست خصماً.