في بداية الوباء لم يكن عسيراً على منظمة الصحة العالمية أن تعمّم سريعاً إرشادات الوقاية والحماية، فلديها خبرة طويلة في مكافحة الأوبئة، غير أن حجم جائحة «كورونا» أو «كوفيد- 19» واتساعها عالمياً وتفاوت الأساليب والقدرات إزاء تحدّياتها وضعت المنظمة وكذلك الحكومات أمام تجربة غير مسبوقة بضخامتها وصعوباتها. ورغم أن الجهد العلمي توصّل إلى لقاحات في وقت قياسي نسبياً، إلا أن الفيروس أنجز تحوّراته العديدة في وقت قياسي أيضاً، ما طرح علامات استفهام في شأن فاعلية اللقاحات ومداها الزمني وقدرتها على الحدّ من أضرار المتحوّرات الأربعة المعروفة حتى الآن. هذا يعيد العالم إلى سؤال الانطلاق عن طبيعة الفيروس ومنشأه، وهو ما غدا «قضية سياسية» إلى حدٍّ ما، لكن طرحها ظلّ متعذّراً، كذلك حلّها.
على العكس، لم تستطع منظمة الصحة إشهار إرشادات لـ «خروجٍ سليم» من مراحل الحجْر العام وإجراءات الإغلاق، فهذا شأنُ الحكومات التي وضعت له معايير، أبرزها نسبة كافية «علمياً» من الملقّحين (20 إلى 30% من السكان) لبناء قاعدة للمناعة الجماعية. وحين ترافق التلقيح مع هبوط نسبي في الإصابات تشجّعت الحكومات على تخفيف الإغلاق تمهيداً لإنهائه، حتى أن بريطانيا ألغت إلزامية الكمامة رغم أنها موطن المتحوّر «ألفا» وإحدى بؤر «دلتا» المتحوّر الهندي الأكثر خطراً. لكن التلقيح كبداية تعافٍ صحي تلازم لدى الحكومات بالمسارعة خصوصاً إلى إعادة فتح الاقتصاد، ذلك الهمّ الرئيسي للدول الـ 7 أو الـ 20 صاحبة الاقتصادات الأكبر التي كرّرت في مؤتمراتها أن تعافيها مرتبط حُكماً بالتعافي العالمي.
لم يتعافَ العالم بعد، لكن الدول محكومة بالمجازفة، فأرقام المؤسسات التي أقفلت مقلقة، ومثلها حركة الإنتاج والأسواق، فضلاً عن تزايد الأشخاص الذين فقدوا أعمالهم. لا مناص إذاً من اعتياد الناس على التعايش مع الوباء، وبالتالي ممارسة الحياة مع معرفة مسبقة بأن الإصابات والوفيات ستستمر بأعداد أقلّ أو أكثر. وزير الصحة البريطاني ساجد جاويد، الخارج لتوّه من إصابة بالفيروس رغم تلقّيه جرعتَي اللقاح، دعا إلى هذا التعايش بدلاً من الخوف منه. لكن لا حكومته ولا أي حكومة أخرى تملك خطة محدّدة لتنظيم التعايش، فالبديل من الإغلاق هو تكثيف عمليات التلقيح. ومع اقتراب الإصابات من العدد الذي توقّعه العلماء منتصف العام 2020 وهو 200 مليون كحدٍّ أقصى، من دون مؤشّرات إلى نهاية ملموسة للوباء، باتت التوقعات الجديدة، المتحفّظة، ترجئ نهايته إلى 2023. وبعدما راح الخبراء يتصوّرون نسباً متصاعدة للتعافي بمتواليات حسابية مشابهة تقريباً لانتشار العدوى، أصبحوا الآن مقتنعين بأنه لن يتحقّق إلا بتلقيح 80 في المئة من سكان العالم، لكن الأربعة مليارات لقاح الموزّعة حالياً تغطي فقط 25 في المئة من السكان.
كان التعايش مع الفيروس بدأ مبكراً في الصين، ولم تُكشف قواعده، إلا أن نجاحه استند إلى تلقيح متواصل مع إجراءات وقاية صارمة. ولا تبدو نماذجه الأميركية والأوروبية والآسيوية مطمئِنة بسبب قفزات في الإصابات وحتى في الوفيات. المسؤولون الحكوميون يدعون إلى «تعلّم التعايش معه»، كيف؟ ليست هناك طريقة ولا يخلو الأمر من فوضى، لكن الواقع يؤكّد أن الفيروس باقٍ كأيٍّ من الأمراض السارية، مستوجباً الوقاية الدائمة، مع إتاحة السفر أو الحجّ لعدد محدود أو حتى إقامة الأولمبياد من دون جمهور

مواضيع قد تهمك :