منذ أكثر من عقدين بدأت القراءة للأستاذة شريفة الشملان على صحفات (ثقافة اليوم) -الملحق الثقافي لصحيفة الرياض- وفي نفس الفترة قرأت الأساطير الشعبية لعبدالكريم الجهيمان، ومن ضمن الأساطير قصة فتاة هجرها أبوها لتموت في الصحراء، كان سبب هذا العقاب الجاهلي هو مجرد جلوسها عند باب البيت الذي أثار الشكوك، وبينما هي تصارع الموت في الصحراء مع بعير متوحش كانت تظن أن الأب قادم بحنانه... كانت تلك الأسطورة القديمة تعود لقرن من الزمن، تغيرت الظروف والأحوال وكانت شريفة بعيدا عن أي ابتذال جماهيري ترسم بأناقة تلك الحقبة الاجتماعية في الثلاثة عقود الأخيرة قبل إصلاحات الرؤية التي عززت العدالة داخل المجتمع، قد يستغرب البعض أنه برغم تخصصي في التحليل المالي وعالم الاقتصاد والأعمال بأن أكتب عن الراحلة، والسبب في رأيي بأن الروائي والقاص الرائع يجعلك ترى ما لا تجده في كتب السياسة والاقتصاد، كل كتب الاقتصاد الأميركي لا ترسم المجتمع مثل (آرثر ميلر) في روايته (موت بائع متجول) التي عبرت بعبقرية عن الكساد الكبير العام 1930، وكذلك كل كتب السياسة والتاريخ لم تروِ الحرب الأهلية الإسبانية مثل (لمن تقرع الأجراس) التي وصف فيها (همنغواي) بشاعة الحرب وتوابعها.

كانت الراحلة شريفة تروي قصص أحلام الفتيات وآمالهن بهدوء دون تراجيديا مبالغة أو إضافات رخيصة ومبتذلة من جنس وسياسة، كانت تكتفي بمهارتها لترسم ذلك الواقع، من ذاكرتي أتذكر قصة كتبتها لفتاة تنتظر الفجر حتى تطبع الجريدة أسماء الخريجات ونسب نجاحهن، كانت تفكر بالسير للجريدة حتى لو لساعات أسوة بالشباب الذي يعرفون نتائجهم قبل منتصف الليل لأنهم كانوا يذهبون لمبنى الصحيفة.

كانت النسبة التي تحتاجها لدخول الجامعة مسألة حياة بالنسبة لها، ليس حبا بدخول الكلية أو حبا لتخصص لكنها تأمل بأن يكون دخول الجامعة نقلة تنقذها من أشياء كثيرة أقلها الخطبة لرجل سطحي أقل من قدراتها بكثير، وأسمتها حرية الحياة والعقل والخيار، ففي تلك اللحظة سوف تبدأ الحياة، في قصصها صورة لفترة مضت صورة فيها بعض المظاهر مثل الإداري البيروقراطي والمعلم والأبوين والمتجمدين فكريا والتعصب الديني وتحجر العقول لكن من دون تعميم، لذلك قد تكون أعمالها من أهم النصوص للأجيال القادمة لمعرفة الأجيال السابقة كيف كان حالها وسواء للمرأة والشباب الذين صورت كيف يعيشون الانتظار والأمل لغد أجمل..

وجاء الغد ومعه شموس الرؤية والتي هي التحول والحلم، ورحلت هي -رحمها الله- وعندما يغيب قلم خلّاق يفقد العقل شيئا من بهجته، وإذا غاب قلم لفنان تنطفئ للروح إحدى شموع الضوء والجمال، ستبقى هي في الذاكرة فهي مِن مَن كتبوا ذاكرة المجتمع...رحمها الله.