قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أتابع كغيري التطورات في تونس، قرارات رئاسية أصدرها الرئيس قيس سعيّد، حين أقال رئيس الحكومة وحلَّ البرلمان، وأعلن نفسه رئيساً للسلطات جميعاً بموجب المادة 80 من الدستور التونسي، بحسب تفسيره. يذكر أن الرئيس سعيّد كان أستاذاً للقانون الدستوري في الجامعة التونسية.
جاءت قرارات سعيّد بعد أشهر من الجمود والفوضى والصراعات البرلمانية، التي وصلت حد الاعتداء الجسدي بين نواب البرلمان.

الصراعات بين قصر الرئاسة ورئيس البرلمان من الإخوان، راشد الغنوشي، كانت قد تفاقمت لتباعُد موقفي البرلمان وقصر الرئاسة، تباعداً وصل حد أن الغنوشي كانت يتصرف كرئيس فوق الرئيس، وحركته تتصرف كحركة سياسية وحيدة لا ثاني لها، ووصلت الغطرسة والانفراد وتجاهل الرئاسة ومصلحة تونس الوطنية حد اللقاءات غير المعلنة بين رئيس البرلمان، الغنوشي، ورئيس دولة أجنبية، رجب طيب أردوغان، في أنقرة من دون علم الرئاسة أو البرلمان، والأدهى أن الغنوشي أعلن تأييد تونس الدولة، وليس تأييد "حركة النهضة"، ووقوفها مع التدخل العسكري التركي في جارة تونس، ليبيا، وهو الأمر الذي أثار المراقبين، وأقلق الحريصين من باقي شرائح المجتمع التونسي، خوفاً من أن يورط "الإخوان المسلمون" تونس في المستنقع الليبي، وفق ما يراه السيد أردوغان. كنت أظن ذلك الحدث سيكون ثالثة الأثافي: تخيل عزيزي القارئ، لو أن رئيس البرلمان الكويتي، مرزوق الغانم، زار إيران من دون علم القيادة السياسية، وأعلن أن الكويت، وليس السيد الغانم، تؤيد التدخل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن!

لا أؤيد قرارات الرئاسة التونسية ولا أرفضها لسببين أساسيين: أولهما أنني لست بضليع بالشأن التونسي، ولم أزر تونس سوى مرتين قصيرتين لمناسبتين رسميتين، والثانية أنني لم أكن معجباً يوماً بالرئيس التونسي قيس سعيّد ولا بخطابه الشعبوي الهلامي الإنشائي الذي أتى به لسدة الرئاسة. وعلى العكس من ذلك، كان موقف "الإخوان المسلمين"، فلو عاد المراقب لما قاله "الإخوان المسلمون" (حركة النهضة) عن قيس سعيّد أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، لأصابه العجب العجاب، فقد كادوا يؤلهونه كي يُنجِّحوه: ضليع بالقانون الدستوري، أستاذ دستوري مستقيم، عفيف نظيف يدير حملته الانتخابية رافضاً أي دعم مالي، سوف يحرر فلسطين. كال "الإخوان المسلمون" المديح الذي لم ينله غيره، لأنه كان مستقلاً، وراهنوا على احتوائه مستقبلاً وتسييره كما يشاؤون.

ولكنه، كغيره ممن سبقوه، اقترب منهم وعرف حقيقتهم فقلب لهم ظهر المجن، وصار يردد بمناسبة ومن دون مناسبة حرباً لا هوادة فيها على الفساد، ملمحاً ومصرحاً أحياناً بأنهم رعاته وسَدَنتُه.

تراكمت الانفرادات بالقرارات، وتضاربت السياسات، وتعطلت البلاد، وساد الفساد، وطالت طوابير البطالة بين الشباب التونسي، ووصلت الحالة الاقتصادية إلى مستويات متدنية وغير مسبوقة، وتزامن ذلك كله مع تفشي وباء كورونا بشكل هائل، أدى إلى انهيار المنظومة الصحية بالبلاد، فسارعت دول خليجية، في طليعتها الكويت، إلى تسيير جسر جوي إنساني إغاثة للإنسان التونسي المنكوب، ووصلت الأمور إلى "سكة سد"، فخرج الناس إلى الشوارع يوم الأحد الماضي، فهاجوا وماجوا، وحدثت مواجهات عنيفة بين هذا الفريق وذاك، ليخرج الرئيس قيس سعيّد ويعلن قراراته التي سماها مؤيدوه تصحيحية دستورية، وسماها "الإخوان المسلمون" انقلابية على الشرعية الدستورية.

فما أشبه الليلة بالبارحة!

دفع "الإخوان المسلمون" بقيس سعيّد رئيساً للبلاد، ظناً منهم أنهم يمكن أن يسيّروه ويتحكموا به، وذلك لتدني خبرته وتواضع تجربته السياسية، فرفض أن يكون ألعوبة بأيديهم، فواجههم رافعاً شعار الصلاحيات الدستورية التي طالما طبّل "الإخوان المسلمون" لمعرفتهم الضليعة بها.

من يقرأ تاريخ انتهازية حزب "الإخوان المسلمين" يجد أن ما انتهجوه مع قيس سعيّد شبيه إلى حد كبير مع مواقفهم في بلد المنشأ مصر، منذ أيام الملك وانتهاء بعلاقتهم بالرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، وموقفهم من البشير الذي انقلب عليهم بعدما تمكن من السلطة التي جاءت به منقلباً على رئيس الحكومة المنتخب، الصادق المهدي. والقائمة تطول...

من عاش بالحيلة، مات بالفقر.

إيماءة كويتية:

تمر بعد غدٍ ذكرى الاجتياح العراقي للكويت في الثاني من أغسطس (آب) عام 1990، وهو الاجتياح الذي كان بداية النهاية للنظام الأمني العربي، وبداية دمار بلاد الرافدين والشام واليمن. نستذكر هذه الذكرى الأليمة بمرارتها، ولكن وبفخر تلهج قلوبنا بالعرفان والثناء على المملكة العربية السعودية وشقيقاتها الخليجيات والأشقاء والأصدقاء الذين رفضوا الظلم والعدوان، حتى عاد الحق الكويتي إلى أصحابه.

كما لا ننسى مواقف الخذلان والخزي والغدر التي وقفتها بعض الدول والأحزاب والشخصيات، ومن بينها، على سبيل المثال لا الحصر، راشد الغنوشي زعيم "الإخوان المسلمين" بتونس.