قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في يوليو (تموز) 2019 التقى منتخب الجزائر في كرة القدم، مع منتخب كوت ديفوار ضمن بطولة كأس أفريقيا، ففاز المنتخب الجزائري وتأهل لنصف النهائي في بطولة القارة السمراء.
عمت الفرحة أنحاء الجزائر بالطبع، وتأهب الجزائريون للوصول إلى النهائي والفوز بالبطولة، وألقى ذلك مسؤولية على كل لاعب في المنتخب بالضرورة، وبدا أن البهجة الجزائرية هي بهجة عربية بالدرجة نفسها، ولم يكن في ذلك موقف عربي من كوت ديفوار ولا من منتخبها الأفريقي بطبيعة الحال.
ولكن الذين تابعوا أصداء الفوز الجزائري، لا بد أنهم قد لاحظوا شيئا آخر على حدود الجزائر الغربية، وبالتحديد عند معبر «جوج بغال» القائم على الحدود مع المغرب.
على هذا المعبر من الناحية المغربية تجمعت حشود من المواطنين المغاربة، ورفعوا أعلاماً في أياديهم، وراحوا يلوحون للمواطنين الجزائريين على الجانب الآخر مهنئين بالفوز الذي تحقق، وآملين لمنتخب البلد الشقيق المجاور أن يصل إلى النهائي وأن يفوز بالبطولة.
وكان اللافت أن الصحافة المغربية انفعلت بالحدث، ومضت تقول ذلك وتعبر عنه في مانشيتاتها وعناوينها العريضة في صفحاتها الأولى، وكانت صحيفة «الأحداث المغربية» في المقدمة من تلك الصحف، فصدرت بمانشيت عريض يقول: فرحة على الحدود!
ما أذكره أني توقفت أمام تفاصيل المشهد عند المعبر، فكتبت سطوراً في صحيفة «المصري اليوم» القاهرية أصف فيها ما جرى، وأتمنى لو أن الفرحة التي بدت من الحشود المتجمعة، قد انتقلت كالعدوى من خلف «جوج بغال» إلى ما وراء ذلك في كل اتجاه.
وما أذكره أيضاً أن رسالة جاءتني يومها من صديق مغربي عزيز وكبير، وكان الصديق يصف فيها «الفرحة على الحدود» التي أشارت إليها الصحيفة في صدر صفحتها الأولى بأنها فرحة مؤلمة. أما السبب في تقديره فكان أن باب المعبر المغلق كان يقف حائلاً في طريق تلك الحشود، وكان يمنع أفرادها من العبور إلى الناحية الأخرى للتعبير عن مشاعرهم الصادقة. فالحدود بين البلدين مغلقة منذ عام 1994، وما يأمله كثيرون على الجانبين أن يأتي يوم قريب تنفتح فيه الحدود، بما يسمح للمواطن الجزائري أن يمر إلى داخل المغرب كما يحب، وبما يتيح للمواطن المغربي في المقابل أن ينتقل إلى داخل الجزائر كما يشاء!
ومما فهمته من الرسالة الحزينة يومها، أن رحلات الطيران منتظمة بشكل مباشر بين الجزائر العاصمة وبين الدار البيضاء، وأن المواطن المغربي ليس في حاجة إلى تأشيرة لدخول الأراضي الجزائرية، ولا المواطن الجزائري في حاجة إلى تأشيرة إذا ما رغب في الطيران إلى المغرب، وأن حركة التجارة تنشط بين الطرفين عبر «طريق الوحدة» الذي يصل بين مدينة تلمسان وبين مدينة وجدة.
وكان مما يؤلم صاحب الرسالة، أنه في الكثير من الأحيان يجد نفسه في وجدة المغربية القريبة من الحدود مع الجزائر، ثم لا يستطيع التواصل المباشر مع الأصدقاء الجزائريين على الجهة الأخرى بسبب إغلاق الحدود أمام العابرين!
كان هذا في عمومه هو مضمون رسالة بدت سطورها صادرة عن قلب مغربي محب للجزائر، ونابعة من وجدان يتشوق إلى أن تعود الحدود إلى طبيعتها في أقرب فرصة ممكنة، لعل العائلات على الناحيتين من المعبر تتمكن ليس فقط من مجرد العبور من جانب إلى جانب، فالعبور ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما الهدف أن تتمكن العائلات من العمل على وصل الرحم، وأن تصبح قادرة على المشاركة في المناسبات الاجتماعية التي لا يتحقق معناها ولا يكتمل إلا بالحضور المباشر، وإلا بلقاء الإخوة والأشقاء في الأراضي الجزائرية، على نحو ما أرادت حشود الفوز الرياضي الأفريقي في حينه، ثم لم تستطع أن تصل برغبتها إلى ما تحبه وتتمناه!
وربما لا يعرف كثيرون من أبناء البلدين أن الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي حكم البلاد لعقدين من الزمان إلى السنة قبل الماضية، مولود في مدينة وجدة القريبة من حدود بلاده، فهذه معلومة تجدها مسجلة في كل سيرة مكتوبة للرئيس السابق!
وفي مساء الحادي والثلاثين من الشهر الماضي، تابع المهتمون بالشأن المغربي - الجزائري، خطاب عاهل المغرب الملك محمد السادس، في الذكرى الثانية والعشرين للجلوس على العرش، والغالب أن الذين تابعوا مشهد الحشود المهنئة على المعبر قبل عامين، قد استعادوا ملامح المشهد في أثناء متابعة الخطاب، لأن العبارات القوية التي استخدمها الملك في التعبير عما بين البلدين من روابط، تستدعي المشهد القديم بكل تفصيلة فيه.
توجه ملك المغرب إلى الجزائريين في خطابه فقال إن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبداً من المغرب، كما لن يأتيكم منه أي خطر أو تهديد، لأن ما يمسكم يمسنا وما يصيبكم يضرنا. ثم وجه الملك دعوة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «للعمل سوياً في أقرب وقت يراه مناسباً، وتطوير العلاقات الأخوية التي بناها شعبانا عبر سنوات من الكفاح المشترك».
وفي عبارات الخطاب تجد الكثير من هذه المعاني متناثرة فيه من أوله إلى آخره، ولكن حديث العاهل المغربي عن إغلاق الحدود على وجه الخصوص كان ذا طعم خاص، وكان يتحدث حديث مَنْ يرى عواقب الإغلاق بعينيه ويلمسها بيديه!
فأسباب الإغلاق «أصبحت متجاوزة ولم يعد لها اليوم أي مبرر مقبول»... والسبب أن «إغلاق الحدود يتنافى مع حق طبيعي ومبدأ قانوني أصيل تكرسه المواثيق الدولية، بما في ذلك معاهدة مراكش التأسيسية لاتحاد المغرب التي تنص على حرية تنقل الأشخاص، وانتقال الخدمات، والسلع، ورؤوس الأموال بين دوله».
هذه عبارات مختارة من خطاب الملك في ذكرى الجلوس التي تتجدد في كل سنة، ورغم أن الدعوات الواردة في خطابه تتجدد كذلك في كل عام، فإن عبارات هذه السنة تبدو راغبة في التجاوب مع مشهد الحدود قبل عامين، وتبدو الرباط من خلالها مستعدة للانتقال به من مشهد ارتبط بمناسبة طارئة، إلى ممارسة طبيعية للحياة بين شعبين على أرضين متجاورتين!
ولا يخفى على أحد أن المشهد الذي نقلته الصحافة من أمام المعبر، كان مشهداً تلقائياً عفوياً من القلب، ولم يكن من تدبير حكومة، ولا من ترتيب إدارة، فما بين الشعوب لا يخضع لما قد يكون بين الحكومات من اعتبارات وحسابات مفهومة في إطارها، وما يراه الشعب ويشعر به يجد سبيله إلى التعبير عنه من دون أن يمنعه شيء، ولا أن يقف في طريقه قيد أو تعترضه عقبة من العقبات!
إن اللهجة الحماسية في خطاب الملك قوية، والنبرة المتفائلة بمستقبل العلاقة بين البلدين في خطابه نبرة عالية، وفي المقابل تعيش الجزائر مع الرئيس تبون الذي قضى عاماً بالكاد في منصبه، والذي لا يزال يحاول وضع بلاده على الطريق الصحيح، ولو تلاقى ما في الخطاب الملكي مع ما يحاوله الرئيس الجزائري، فإن مشهد المهنئين على باب «جوج بغال» قبل سنتين، سوف يكون مرشحاً للتحول من مشهد فرضته مناسبة رياضية عابرة، إلى حياة طبيعية يمارسها شعبان شقيقان عبر الحدود!