في أيهما يكون الكاتب أكثر صدقاً في البوح عن مكنوناته والزوايا الخفية في حياته، والتي قد لا يعلم أحد سواه الكثير منها؟ سؤال ليس جديداً خاصة منذ أن استوت السيرة الذاتية كجنس أدبي يعتدّ به، بل إنها في بعض نماذجها المتقنة لا تضاهي الرواية فقط، وإنما قد تتغلب عليها أو على نماذج كثيرة منها، فالأديب حين يكتب سيرته الذاتية لا يكتفي بسرد وقائع وإنما يكتب أدباً شائقاً جالباً لمتعة القارئ وشغفه.
يبقى سؤالنا في مفتتح المقال ناقصاً، فالأمر لا يتعلق فقط بمدى رغبة الكاتب الشخصية في البوح فحسب، فقد يكون راغباً في قول أمور كثيرة وهو يكتب سيرته، ولكنه يظل محكوماً بمساحة الحرية المتاحة له في أن يفصح عن كل ما يرغب قوله. والحرية المقصودة هنا لا تتوقف على تلك المساحة المسموح بها من قبل السلطات، وإنما أيضاً من محيط من سيتناولهم في سيرته من أشخاص، أو ورثتهم أو أقاربهم عامة، الذين قد يرون أن بعض هذا «البوح» يسبب أذى لهم أو إساءة.
هناك ورقة مهمة للدكتورة أمينة الرشيد، الناقدة والأكاديمية المصرية البارزة التي رحلت عنا مؤخراً، ويبدو أنها قدّمتها في مؤتمر عن الرواية العربية، اختارت فيها أن تناقش العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية، وأهدتها إلى طلبتها في قسم اللغة الفرنسية في جامعة القاهرة، وهي ورقة جديرة بالعودة إليها من قبل من يهمه الموضوع من القراء والنقاد والأكاديميين.
خصصت أمينة رشيد جزءاً من ورقتها لمناقشة ما إذا كانت السيرة الذاتية أكثر صدقاً من الرواية، واستعرضت أقوالاً لأدباء ونقاد كبار حول هذه المسألة، فأندريه جيد، مثلاً، يبدو منحازاً للرواية أكثر، ومثله آلان روب جريبه الذي يرى أن الرواية تتفوق بخلقها الرموز والاستعارة البديلة من الذاكرة الانتقائية والناقصة للسيرة، وتستوقفنا في القول الأخير مفردة «الانتقائية» بالذات، لأنها تشير إلى ما ذكرناه من حذر الكاتب في البوح بكل ما يتعين البوح به.
لآخرين، أشارت لبعضهم أمينة رشيد، رأي آخر، بينهم جورج ساند وآني إرنو، إذ يرون أن هناك من الخبرات والوقائع التي لا تستطيع أن تعبر عنها بصدق إلا السيرة الذاتية برفضها للتزيين الأدبي وأسلوبها الوقائعي. وكما في كل الحالات المشابهة هناك الرأي الوسط، التوفيقي، إن جاز لنا القول، الذي يرى أن الجنسين: السيرة الذاتية والرواية، يكملان بعضهما، بالجمع بين ثغرات الذاكرة وامتلاء الرواية، بين بوح الأولى ومجاز الثانية.
ويبقى السؤال المهم: هل تخلو رواية من تفاصيل أو شذرات سيرة كاتبها؟