قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ماذا يمثله قرار أستراليا إلغاء صفقة الغواصات الفرنسية، وشبه تزامن ذلك وإعلان واشنطن تشكيلها لحلفين (أوكوس) الثلاثي (الولايات المتحدة، بريطانيا وأستراليا)، والآخر الرباعي (الولايات المتحدة، الهند، اليابان وأستراليا). وبغض النظر عن توافق الحلفاء في أوكوس (الولايات المتحدة وبريطانيا) على تزويد الحليف أستراليا بغواصات هجومية ذات الدفع النووي بديلاً عن الخيار الفرنسي التقليدي (ديزل وكهرباء)، فلماذا أستراليا تحديداً دون سواها من حلفاء واشنطن الاستراتيجيين في منطقة (الهندي- الهادئ)؟

ولماذا غابت بريطانيا عن التحالف الرباعي؟ نواة الحلف الرباعي بدأت في التشكل عام 1992 عبر التمرين البحري الثنائي بين الولايات المتحدة والهند تحت مسمى (ملبار)، والذي اتسع ليشمل أعضاءً جدداً هم: اليابان، سنغافورة وأستراليا منذ 2007. إلا أن الإشارات عن نية واشنطن تطوير إطار «ملبار» وتحويله إلى منظومة أمن إقليمية وضحت منذ مارس الماضي، حين أعلن الرئيس بايدن عن قمة تضم قادة الرباعي (الولايات المتحدة، أستراليا، اليابان والهند).

ضمن ذلك الحلف هي فقط الولايات المتحدة والهند، من يمتلك قدرة الردع النووي، وغواصات نووية الدفع، في حين يحظر الدستور الياباني تحول اليابان لقوة نووية عسكرية. استراتيجية تحريم المنطقة وقابلية الولوج Anti-Access Area Denial الأميركية والمُعرفة بـ (A2 AD) تستدعي وجود حلفاء قادرين على تمثيل مصالحهم الوطنية بما في ذلك قدرة الاحتواء والردع المتكافل. لذلك فإن تطوير قدرات أستراليا الدفاعية هو ضمن ذلك المفهوم، مما يحتم امتلاكها لقدرة بحرية متقدمة الكفاءة مثل الغواصات ذات الدفع النووي (حتى وإن لم تمتلك قدرات ردع نووي)، فإن تلك الغواصات تستطيع تشكيل ستار عازل لتعاظم القوة البحرية الصينية في المحيط الهادئ، ورسالة إقليمية للصين لمراجعة جملة سياساتها تجاه جيرانها في بحر الصين الجنوبي، والذي تمثل مجموعة دوله شركاء أستراليا الاستراتيجيين. إلا أن القرار الأسترالي بإلغاء عقد الغواصات الفرنسية قد يؤثر على تحالف دولي أوسع قائم على مبدأ التكافل الدولي في الدفاع عن استقرار منطقة (الهندي- الهادئ)، والذي يُمثل بالدول المشاركة في التمرين البحري (رِم باك RIMPAC). وفرنسا أحد مفاصل ذلك التحالف، إلا إنها ليست المرة الأولى التي تتعارض فيها المصالح الفرنسية والأميركية.

وباريس تعتبر أكبر الدول الأوروبية المطالبة بتطوير منظور أوروبي أمني مستقل عن هيمنة واشنطن، خصوصاً بعد غزو العراق، وعدم توافق باريس وواشنطن على مفهوم مشترك حول أمن حوض المتوسط. فهل كان الإيعاز أو التحفيز الأميركي لأستراليا بإلغاء العقد الفرنسي هو بهدف تحجيم المشاكس الأوروبي، أم أن صفقة الغواصات المقدرة بحوالي 60 مليار دولار كانت السبب الآخر، خصوصاً بعد تحقيق فرنسا لاختراقات دفاعية كبرى في أسواق سلاح تعتبر أميركية تاريخياً، أو ناشئة مثل الهند.

فإنْ كان الاستحواذ على غواصات نووية الدفع، فلماذا لم تتقدم أستراليا بطلب الحصول على الغواصة الفرنسية من فئة «سافرن» Suffren ذات الدفع النووي، أم أنها تعتزم تطوير نموذج هجين بين غواصتي فرجينا الأميركية واستيوت البريطانية، أو الاستحواذ على أحدهما أو تقسيم البرنامج بينهما. الجدير بالذكر، أن ما قاد للتأخير في برنامج تنفيذ مشروع الغواصات الأسترالية مع فرنسا هو إعادة تصميم نظام الدفع من نووي إلى تقليدي (ديزل / كهربائي)، والسؤال: هل أخذ ذلك العنصر في الحسبان عندما اختارت أستراليا إلغاء العقد دون تحديد الخيارات واحتساب كلفة ذلك على برنامجها الدفاعي، أو وربما يجب أن نبحث أكثر في ما يمثله واقع «أوكوس» من منظور علاقات دوله الثلاث منذ الحرب العالمية الثانية على حساب مصالحها الوطنية.