قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كان رحيل جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، مفاجئاً وصاعقاً، لكنه لم يحل - على الرغم من مشاعر الحزن التي غمرت المصريين - دون أن يبدأ الصراع على السلطة. من يخلفه في منصبه؟.. وكيف تُدار الدولة بعده؟

كان ذلك أمراً طبيعياً، فالسلطة - أي سلطة - لا تعرف الفراغ.

طرحت أفكار كثيرة في لحظات الحزن مثل «القيادة الجماعية»، وضرورات التماسك والانتقال السلمي للسلطة، فالبلد لا يحتمل تنازعاً عليها في وقت حرب.

كانت تلك أفكار نبيلة في مقصدها ونواياها لم يكتب لها أن تستقر على أرض، فالسلطة هي السلطة.

لخص مشهد واحد في جنازة عبدالناصر، التي لا مثيل لها في التاريخ الإنساني، افتراق الطرق بين رجلين وتوجهين داخل بنية النظام، أولهما- نائب رئيس الجمهورية أنور السادات، وهو يتصور أن صعوده إلى منصب الرجل الأول محفوظ بالتراتبية والأقدمية، على الرغم من أن دوره محدود وهامشي في صنع القرار. وثانيهما- أمين عام الاتحاد الاشتراكي ورئيس الوزراء السابق علي صبري، وهو يتصور أن صعوده إلى نفس المنصب محفوظ بحجم نفوذه داخل المؤسستين السياسية والأمنية.

في ذلك المشهد تخلف الرجلان عن المضي مع الشخصيات الدولية والعربية خلف الجثمان قبل أن تضطرها الجماهير الملتاعة على ترك الجنازة.

عاد السادات، إلى مجلس قيادة الثورة بالقرب من كوبري الجلاء على كورنيش النيل مسنوداً على اثنين من مرافقيه بعد إصابته بحالة إغماء. أدخل على الفور إلى حجرة رجال المطافئ لتلقي الإسعافات الضرورية. بعده مباشرة جاء علي صبري، بداعي الإرهاق الشديد وأدخل إلى الحجرة نفسها.

كان عادل الأشوح، مدير مكتب أمين التنظيم الطليعي «شعراوي جمعة»، الذي يتولى في الوقت نفسه حقيبة الداخلية، مكلفاً بالإشراف على المكان.

حسب روايته، فإنه طلب من الدكتور حمدي السيد - نقيب الأطباء فيما بعد - الكشف عليهما للنظر فيما إذا كان هناك خطر على حياتهما يستوجب التصرف العاجل.

قال حمدي السيد: «مافيش حاجة.. مرض سياسي». أثناء مغادرتهما المكان قال السادات عند الباب الخارجي: «تعال يا علي أوصلك».

- «لا اتفضل أنت.. طريقي غير طريقك».

كان ذلك التعبير الذي أطلقه علي صبري، بقصد دلالاته السياسية أو بدون قصد، مثار تعليق كل الذين استمعوا إليه، أو وصل إلى علمهم.

لم يكن أنور السادات، شخصية مجهولة، فسجله معروف والتحفظات عليه معلنة في أروقة التنظيم السياسي ودوائر الدولة، ومع ذلك مر بسهولة نسبية إلى مقعد الرجل الأول. باستثناء أصوات معدودة في التنظيم الطليعي، أو داخل الاتحاد الاشتراكي، لم تكن هناك ممانعة كبيرة في التقدم به رئيساً لاستفتاء عام.

تكفلت المجموعة المهيمنة على مقاليد الأمور داخل مؤسسات الدولة بالدعوة إلى انتخابه رئيساً.

كانت المفارقة الكبرى أن السادات أودعها السجون بعد زهاء سبعة أشهر بتهمة التآمر عليه، فيما سميت ب«ثورة التصحيح»، أو «انقلاب ١٥ مايو» (1971) بتوصيف آخر.

كان مثيراً أن توصف ب«مراكز القوى»، و«مجموعة علي صبري»، على الرغم من أنها لم تظهر حماساً لصعوده إلى موقع الرجل الأول وفضلت عليه أنور السادات الرجل الضعيف بظن أنه يمكن التحكم فيه.

في مراجعات ما بعد هزيمة «يونيو» (1967)، التي سجلت في محاضر رسمية، إشارات لنوع الصدام المتوقع بين الرجلين إذا ما اختفى فجأة الرئيس عبدالناصر.

لم تبد في مداخلات السادات، أية انتقادات لنظام الحكم لها صلة بقضية الديمقراطية والحريات العامة.

مانع في أي إقدام على التغيير مؤيداً على طول الخط عبدالناصر، بغض النظر عن طبيعة نظامه، ولم يعرب عن أية توجهات اجتماعية تعبر عن شخصية صاحبها.

حسب المحاضر نفسها، لم يمانع علي صبري، في التغيير، أو مراجعة ملف تجاوزات العليا لتصفية الإقطاع وإجراءات الحراسة، دون أن يمس طبيعة توجهات النظام الاجتماعية.

في ظروف وتوازنات معقدة تقاسما السلطة، السادات رئيساً «علي صبري نائباً. كان ذلك مشروع صدام مؤجل بالنظر إلى طبيعة الرجلين.

في لحظة الصدام وظف السادات، الانتقادات الجوهرية التي وجهها عبدالناصر لنظامه بغرض تصحيحه للانقضاض على مشروع يوليو نفسه.

في أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣ تهيأت الظروف للإعلان عن توجهات جديدة وبناء نظام آخر على أنقاض إرث عبدالناصر وتوجهاته وسياساته.

حين بدأ السجال يحتد داخل مصر والحملات تأخذ مداها بين عامي (1974-1975)، كان الدكتور لويس عوض، يعمل أستاذاً زائراً بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجوليس).

«كنت في أوقات متباعدة ألتقي فصائل من المصريين تقيم حفلات الحقد المستمر على عبدالناصر والناصرية وتردد كل سخافة تقرؤها في الصحف الأمريكية، فإذا رأت أن الجرائد الأمريكية تهلل لأن فايز حلاوة كتب مسرحية اسمها يحيا الوفد تسب الروس مجدت فايز حلاوة دون أن تعرف شيئاً عن مسرحياته».

«وكنت أهتم بأن أسأل هؤلاء النازحين هذه الأسئلة المحددة: هل صادر عبدالناصر لك أو لأسرتك أملاكاً؟ فيقول: لا. هل سجنك عبدالناصر أو سجن فرداً في أسرتك يوماً واحداً؟ فيقول من يحاسب الناس وهو في أمريكا: لا. فيما إذن هذه المرارة ضد عبدالناصر؟ إنه خرب البلد بالقطاع العام والتبعية للسوفييت. كل ما فعله عبدالناصر دميم وينبغي نقده. حتى السد العالي ينبغي هدمه»..«كانت وجوههم مصرية وقلوبهم غير مصرية».

أهمية هذه الشهادة في صاحبها، وأنه أدلى بها وهو يقف على الجانب الآخر من التجربة الناصرية وفي معرض نقده لها.