من أخطر الظواهر اللعب بالمصطلحات والمفاهيم لأهداف فئوية أو مذهبية أو طائفية ودينية بما ينحرف بالمصطلح ويخرج بالمفهوم عن فضائه المدني أو الحديث ويعود به القهقرى إلى عصور ما قبل الدولة الوطنية والدولة الحديثة التي صاغت مصطلحاتها، ووضعت مفاهيمها بأهداف تبتعد وتناقض دولة الطائفة أو دولة الفئة بكل ما تحمله في أحشائها من أخطار تمزيق وتفتيت واحتراب.

في السنوات الأخيرة تلاعب مثقفون وأكاديميون مؤدلجون بالمصطلحات والمفاهيم المدنية واشتغلوا عليها بهمةٍ مدفوعين بنوازع فئوية ومسكونين بأحلام /‏ أوهام الدولة الطائفية أو دولة الطائفة.

وكان مفهوم ومصطلح المواطنة واحدًا من أهم المصطلحات التي قدموها قربانًا على مذبح نوازعهم الطائفية التي فاضت لأسباب ليست خافية على أحد.

والاشتغال على إفراغ مصطلح المواطنة ومفهومه من شحنته المدنية ودلالاتها وأبعادها الحضارية بوصفها مواطنة جامعة لكل الأطياف والتلاوين وجرها قسرًا إلى زاوية مختنقة بوعيها الطائفي المقيت من خلال خطابات أكاديميين ومثقفين هو ليس تضليلاً ثقافيًا وفكريًا ولكنه يؤشر لصناعة وصياغة وعي جمعي مطأفن بخلطة «حداثية» لمفهوم الطائفية.

ونقول «خلطة»؛ لأنها تقوم على سعي وعمل هذه المجموعة الأكاديمية المثقفة لإنتاج الطائفية في لباس أو لبوس حداثي القشرة والسطح الخارجي بمفردات وصياغات وعبارات وكلمات «حداثية» لمضمون في أعماقه يستحضر الادلوجة الطائفية بكل أدرانها واحمالها الماضوية.

واختيار طرح المواطنة من منظور طائفي بغية تكريسه وتجذيره من جديد أو إحيائه من جديد، ليس صدفة جمعت هؤلاء الأكاديميين والمثقفين عن بُعدٍ بعيد او عن قربٍ قريب، بقدر ما هو انعكاس لظاهرة الخطابات الطائفية في عالمنا العربي منذ أربعة عقودٍ أو أكثر برزت فيها الموجة الطائفية التي كانت ساكنةً في مجتمع عربي مزقته حروب الطوائف ومعاركها لعقود وعقود.

وصعود موجات التأسلم السياسي بكل تلاوينه وأشكاله وأطيافه واحتلالها في مركز الصدارة في المشهد العربي العام مقابل حالة تراجع سريع لتيارات مدنية مختلفة قومية او يسارية او ليبرالية أو ديمقراطية أو غيرها أشاع مناخًا عامًا متقبلاً ومقبلاً بشكل محموم على الخطابات الطائفية والاندماج فيها والسير في ركابها إلى آخر الشوط.

وزاد الطين بلةً إن اليسار العربي والقومي وقطاع مدني ليبرالي واسع رفع الراية البيضاء مستسلمًا في جزئه الأعم والأكبر أو حاملاً لراية الطأفنة حسب موقعه في لعبة انتهازية فاقعة وواضحة للجميع.

وهنا شمّر فرسان الزمن الطائفي عن سواعدهم وأمطرونا بسيل من الإنتاج «كتب + ميديا + ندوات + مقابلات وغيرها من الوسائل» لتكريس مفهوم المواطنة على أساسٍ طائفي خطير، يقوم بشحن شبابه الجديد بمظلومية تاريخيةٍ وقعت على أجدادهم وأسلافهم وآبائهم وعليهم أيضًا.

وأصبح مصطلح المواطنة في أبعاده الطائفية المتمذهبة بديلاً لمصطلح شعبوي مستهلك «المظلومية» لكنه في جوهر ومضمون خطاب هؤلاء الأكاديميين والمثقفين الطائفيين مطابق تمامًا في تفاصيله ولا يختلف عن مضمون «المظلومية» وخطاباتها ومعانيها وأبعادها ودلالاتها.