تصور أن أحداً يدعوك إلى منزله لتناول وجبة عشاء ثم يطلب منك في نهاية الأمر أن تدفع له قيمة هذه الوجبة، هذه صيغة من صيغ العلاقات الإنسانية ذات العلاقة المباشرة بالحساسية الأخلاقية المجتمعية، الذهنية السعودية لا يمكنها أن تتقبل مثل هذه الصيغة من الدعوة، وستكون ردة الفعل قاسية وغير متوقعة، ولن يستطيع أحد في المجتمع ممارسة مثل هذا السلوك؛ كونه خدشاً كبيراً في النسق الخاص بكامل العلاقات المجتمعية، وهنا يأتي السؤال المهم حول لماذا ترفض الذهنية الفردية هذا السلوك..؟ تفسيرات متفاوتة ستشرح قواعد هذه القيمة المجتمعية، ولن يكون هناك إجابات متشابهة، فتقريباً سيكون لكل فرد رد محدد حول فكرة أن تدفع ثمناً لوجبة العشاء لمن قدم إليك الدعوة في منزله، ولكن المشترك الوحيد بينها هو الرفض للسلوك.

نحن أمام مفترق طرق بين ثابت مجتمعي ومتغير سلوكي، وخاصة أن كثيراً من الأفراد سوف يشعرون بالارتباك أو الضغط لكي يفسروا بشكل شخصي لماذا هذا السلوك غير ملائم أو حتى مدى إمكانية ملاءمته في المستقبل؟ هكذا هي حالة المجتمعات الطبيعية، حيث يؤدي كل تغير مجتمعي إلى نشوء جدل فكري وفلسفي يمكن أن يتطور إلى مواجهة أيديولوجية، وكم من التساؤلات الثقافية للبحث حول أي النماذج المقترحة للتغير هو الأنسب لتحقيق النتائج، ولعل هذا المدخل ينقلنا إلى الذهنية السعودية التي يعتقد الكثير من المحللين خارج وداخل المجتمع أنها اليوم تعيش حالة حادة لنزاع بين القواعد والمتغيرات، وهذه الفكرة ليست دقيقة لعدة أسباب فلسفية وفكرية. أولاً: المجتمع السعودي ليس الوحيد في العالم أو الأول الذي يخوض تجربة التغيير والتحول. ثانياً: ضرورة ربط المرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع السعودي بتأثيرات التطورات التكنولوجية والحداثة التقنية التي ساهمت في تسارع عجلات التغيير التي كانت في الماضي أبطأ في تحركها. ثالثاً: الأربعة عقود الماضية كانت مرحلة تغيير مكثفة ومركزة وكانت تسير بوتيرة أسرع مما خطط لها. رابعاً: كانت خيارات العقود الماضية محصورة بشكل ضيق جداً بين فكرة الصح والخطأ، فلم يكن هناك أي سماح لمنطقة رمادية للمناقشة. خامساً: نشأت الذهنية المجتمعية وهي تشعر بكثافة كبيرة من القلق ومن التغيير وتعلمت تلك الذهنية من الماضي أنها مستهدفة بشكل مباشر. سادساً: تنوع مصادر التوجيه والتوعية خلقت فوارق فكرية كبرى في المجتمع فأصبح تقسيم المجتمع بدلاً من أن يكون وفقاً لدرجة الثراء أو التعليم أو الدرجة المجتمعية أصبح تقسيماً أيديولوجياً في معظمه خاضعاً للتبعية والولاء الفكري.

هذه الصورة ساهمت في ترقية المواجهة بين القواعد والمتغيرات إلى كونها أزمة مجتمعية، وهذا ما لا يمكن تصوره؛ لأن مثل هذا الشقاق الفلسفي لا تنطبق شروطه على الذهنية السعودية ذات الهوية والخصائص وآليات التفكير التي لا يمكن الجزم بأنها يمكن أن تؤدي إلى مواجهة بين القواعد والمتغيرات، المجتمع السعودي مرتبط بتاريخ سياسي مازال حاضراً في ذهنيته، وهذا التاريخ ساهم وبشكل كبير في تميز المجتمع السعودي عن غيره من المجتمعات، خاصة أن الذهنية السعودية الحديثة بنيت وفقاً لتصورات واضحة حول الكيان السياسي وعلاقته بالكيان المجتمعي بجانب الإيمان الكامل بأن العلاقات المتشابكة بشكل حديدي بين مكونات هذا المجتمع تعتبر حالة فريدة، ولذلك يجب أن نؤمن بأن الذهنية السعودية مختلفة في تجربتها وأدائها وتعاملها وقادرة على تنويع خياراتها في عمليات التحول.

الذهنية السعودية تمر اليوم بمرحلة تحول سريعة ليس من السهل ضبط كل جوانبها من حيث التأثير والتأثر، ولكن الحقيقة الدائمة أن الذهنية السعودية متقبلة وقادرة على تحقيق الإنجازات، ولكن في الوقت ذاته هي ذهنية فضولية مستكشفة، ومن هنا يجب التعامل معها بدقة، فالسلوك وفي أي اتجاه في الذهنية السعودية لا يفسر درجة قبولها أو رفضها التحولات، وقد يحتاج المجتمع إلى عدة سنوات حتى يعتاد على سلوك الطرق المناسبة من أجل إحداث عمليات التغيير المطلوبة، خاصة أن العالم أصبح غير قابل لوجود أي شكل من أشكال العزلة الفكرية في إحدى زواياه، ليس لسبب تآمري أو خطط مستترة، ولكن لسبب بسيط أن أعظم اختراعات العالم اليوم التكنولوجية، وفي مجال التواصل الاجتماعي والذوبان الثقافي أصبحت كالسحب المنتشرة في الكون تمطر بلا استئذان من المجتمعات.

هذه المرحلة هي مرحلة معالجات فكرية اجتماعية بعيداً عن الاندفاع نحو تحقيق النتائج السريعة، فالبشر بحاجة إلى وقت وصبر لتغييرهم، الذهنية السعودية لمن يرغب في معرفتها قد دخلت مرحلة التحول منذ سنوات، وأدركت بوضوح أهمية هذا المسار، وهي تتفاعل معه بكل إيمان، ولكن كل ما تحتاجه هذه الذهنية قراءة عميقة لتوجيهها نحو المسار الدقيق الذي يحقق النتائج المطلوبة.