قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الدكتور أحمد الخطيب، نائب رئيس المجلس التأسيسي، الرمز الوطني الحكيم، الذي لا ينكره التاريخ، هو مصدر العبر والدروس التي يجب أن نحتذيها سياسياً، حيث لم يصبه هوس الزعامة ولا نشوة النجاح النيابي على مر العقود.

يرفض الدكتور أحمد الخطيب حفظه الله الحديث نيابة عنه ولا تنصيب نفسه وصياً على «الأمة»، فقد تحلى بالتواضع اجتماعياً وسياسياً طوال حياته حتى اليوم، وشديد الحرص دوما على سماع رأي الشعب بكل أطيافه وخاصة الشباب وليس تهميشهم.

بينما تتفشى اليوم ظاهرة نشوة النجاح النيابي، وما يصاحب ذلك من صخب إعلامي وسياسي عند بعض النواب في مجلس الأمة، من دون إدراك أن مثل هذه النشوة الحالمة والبهرجة المصطنعة تصيب صاحبها قبل الغير بالضرر والدمار!

إن تغلغل الشعور السيكولوجي والذهني في النشوة والبهجة المفرطة في الأرقام التي يحصدها النائب وربما تجعله في المركز الأول انتخابياً، له انعكاسات سلبية مُدمرة على ذات الشخص ويقود بالتالي إلى الوقوع في فخ الغيبوبة وبروز فجوة عميقة عن الواقع.

ينبغي على البرلماني صاحب الثقة بالنفس عدم الرضوخ لنشوة النجاح وتصويرها على أنها إنجاز سياسي غير مسبوق تاريخياً، فسيطرة تلك النشوة تقود دون أدنى شك إلى فقدان التوازن سياسياً واجتماعياً وسيكولوجياً، وهي ظاهرة خطرة للغاية على من يستسلم لها. فحين تتملك الإنسان، سواء كان سياسياً أو ممثلاً أو شاعراً أو برلمانياً، حالة الانبهار بعدد الجماهير المصفقة أو الأرقام التي ترصفها القواعد الانتخابية، خاصة لا بد أن ينتهي المطاف في هؤلاء إلى اختلال التوازن الذاتي والانفصال عن الواقع.

لا قاعة عبدالله السالم في مجلس الأمة ولا المركز الإعلامي فيه بمنزلة خشبة مسرح، ولكن هناك من يتصرف وكأنه على منصة المسرح بسبب سطوة نشوة البروز والوقوع ضحية لنفسه الواهمة بالخيال والحالمة بالوثب نحو آفاق مستحيلة!

ثمة معطيات ومؤشرات برزت مؤخراً تؤكد هيمنة نشوة نيابية قاتلة على بعض النواب الذين باتوا يتحدثون باسم «الأمة»، بينما الأمة أي الشعب لا يجوز اختزاله في شخص نائب أو أكثر، فالأمة لها صوتها وأدواتها في التعبير والتغيير السياسي والاجتماعي.

تقود نشوة النجاح النيابي المُدمرة صاحبها إلى بروز وهم الزعامة الوطنية، وهي مغالطة فكرية وسياسية فاحشة، فالزعامة ولت مراحلها تاريخياً وبات الوضع اليوم مختلفاً عن الماضي، أي إنه لا زعامة في ظل إرادة شعبية صلبة لا تقاد كالقطيع.

لا بد من الإدراك السياسي أن ثمة متغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية في سلوكية الجماهير تجعل المواطنين أشد رفضاً لسياسة القطيع والتعامل معهم على هذا الأساس الخطأ والمنحرف نهجاً وثقافةً.

إن المجتمع الكويتي تغير بطبيعته مثل بقية المجتمعات وتغيرت أيضاً بيئة التفكير، وأي طرح نيابي أو حكومي في التعامل مع الشعب على أنه يُقاد كالقطيع لا بد حتمياً أن يصطدم في مقاومة سياسية وفكرية شرسة ومستحقة.

لعل قصيدة ايليا ابوماضي تلخص بأفضل الصور هوس النشوة ووهم الزعامة:

نَسِيَ الطينُ ساعَةً أَنَّهُ طينٌ

حَقيرٌ فَصالَ تيها وَعَربَد

وَكَسى الخَزُّ جِسمَهُ فَتَباهى

وَحَوى المالَ كيسُهُ فَتَمَرَّد

يا أَخي لا تَمِل بِوَجهِكَ عَنّي

ما أَنا فَحمَة وَلا أَنتَ فَرقَد

أَنتَ لَم تَصنَعِ الحَريرَ الَّذي

تَلبَس وَاللُؤلُؤَ الَّذي تَتَقَلَّد

أَنتَ لا تَأكُلُ النُضارَ إِذا جِعت

وَلا تَشرَبُ الجُمانَ المُنَضَّد

أَنتَ في البُردَةِ المُوَشّاةِ مِثلي

في كِسائي الرَديمِ تَشقى وَتُسعَد