يستطيع البرهان أن يقطع الإنترنت وخطوط الاتصالات. ويستطيع أن يقطع الطرق، ويقيم حواجز بين مدن البلاد. يستطيع أن يقطع الماء والكهرباء. كما يستطيع أن يعطي الأوامر بإطلاق النار على المحتجين، وأن يوقع بينهم عشرات، بل ربما المئات والآلاف من القتلى، بدافع الرعب الذي ترتعد به أوصاله، إلا أنه لن يستطيع أن يغير شيئا من النهايات التي سينتهي إليها. الذين يرتكبون جرائم بحق شعوبهم سوف يُلاحقون بها ولن يفلتوا من العقاب. ليس لأن هناك محاكم دولية، بل لأن هناك أولياء دم من أبناء شعبه. ومثلما لم ينس أحدٌ الذين سقطوا شهداء في ظل نظام عمر حسن البشير العسكري السابق، حتى أبعدهم في الزمان، فإن أحدا لن ينسى الذين يسقطون في ظل نظام البرهان العسكري.

يستطيع البرهان أن يلغي فقرات من الوثيقة الدستورية ويزعم أنه “ملتزم” بها، زورا وبهتانا، ويستطيع أن يمارس الزيف بالقول إنه سيوف ينشئ برلمانا لشباب الثورة، وأن نظامه سوف يلتزم بالمواثيق الدولية، إلا أن أحدا لن ينخدع به. ولن يشتري التزاماته بقرش. لأنها لا تساوي قرشا واحدا من الأساس.

المقاطعة الدولية، ووقف المساعدات، سوف تخنق نظامه، ليبدو كمن وضع حبل المشنقة بنفسه حول عنقه. وسيخرج من القصة كلها ذليلا مهزوما وقد تمرغ أنفه بالتراب.

الجيوش لا تحارب شعبا ثائرا، حتى ولو كانت جيوش غزاة. لأنها ستجد نفسها وسط “عش دبابير”، ولأن الواقع سوف يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانسحاب على هزيمة، وإما ارتكاب المجازر. هذا درس يعرفه القادة العسكريون. أما الانكشاريون فيمكنهم أن يفعلوا كل شيء. ولكنهم إنما يفعلونه لأنفسهم في النهاية.

التراجع عن الخطأ فضيلة. أما الإمعان فيه، فإنه عندما يبلغ الفشل أو الجريمة، أو يجر وراءه سفكا للدماء، فإن العاقبة أوخم من وخيمة

والشعب السوداني ما يزال ثائرا. وثورته لم تهدأ، ونيرانها ظلت تضطرم لأن القيادة العسكرية لمجلس السيادة الانتقالي هي التي غذت الانقسامات بين الأطراف السياسية، لكي تتخذ منها ذريعة للبقاء في السلطة.

هذه اللعبة انكشفت الآن، عندما انشق جانب من قوى الحرية والتغيير ليطالب، بمنتهى الفضيحة والوقاحة، بإقامة حكومة عسكرية، نكرانا منه لكل معنى من معاني الديمقراطية والسلطة المدنية.

السودان بلد غارق في الفقر. وهو بحاجة لكل دعم، من الوقود إلى الطحين، ومن الدواء إلى أبسط المعدات. ولا شيء في مشاريعه لإعادة البناء إلا ويحتاج تمويلات. الآن، وبعد توقف هذه المساعدات، لا أحد يعرف كيف سيمول البرهان تحريك عجلات الحياة، أو ماذا سيقول لشعبه عندما يفشل في توفير الخبز.

والفقراء صبورون عادة، ولكن فاض بهم الكيل. وكيْلهم ما يزال على فيضه. فبأي معنى يمكن للبرهان أن يزيد عليه فيضا؟

يستطيع البرهان أن يتغطرس. فيركب رأسه كما فعل عمر حسن البشير حتى آخر ساعة من بقائه في السلطة. ولكن البرهان يرى على الأقل أن ركوب الرأس لم يعد ببلاش.

بعض الذين وقعوا اتفاقات السلام في جوبا، ما يزالون بأسلحتهم. ويعرف البرهان أنه وانكشاريته لا يقوون على العودة إلى خوض حروب أهلية أخرى. يستطيع أن يجرب، ولكنه لن يحصد إلا ما حصده الذين سبقوه.

ولكنه يستطيع أن يتراجع. لن يفلت من الخزي، ولكن بقدر أقل مما يمكن أن ينتهي به. يستطيع أن يقول إنه فعل ما فعل، لأنه ضاق ذرعا بامتداد الأزمة السياسية، وأنه أراد أن يهز الركود فيها، وأنه يريد أن يعود الجيش إلى ثكناته بعد عشر دقائق من عودة حمدوك إلى إدارة السلطة.

يستطيع أن يبتدع أي كذبة أخرى. فقط من أجل أن يفتح لنفسه طريقا للفرار مما فعل، أو حتى أن يقول إن انقلابه هو آخر الانقلابات وآخر الخطايا، فيُسلم السلطة لأهلها، ويمضي إلى أبعد نقطة في الحدود ليزعم أنه يحميها. التراجع عن الخطأ فضيلة. أما الإمعان فيه، فإنه عندما يبلغ الفشل أو الجريمة، أو يجر وراءه سفكا للدماء، فإن العاقبة أوخم من وخيمة.