قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كانت الهزة الكبيرة التي تعرض لها النظام العربي بعد انفجار الثورات قبل عشر سنين من الآن، قد مزقت البنية الاجتماعية، وقذفت بكل ما في الواقع العربي من رواسب التاريخ إلى السطح، وكشفت المستور من الصراعات التي كانت نائمة واستيقظت مذعورة متحفّزة.. وتدخلت قوى خارجية تنفخ تحت الجمر كي يستعر، وما آل إليه الحال اليوم مما يهدد الأمة في الجوهر الذي كان الجميع يحافظون عليه وينأون به بعيداً عن بؤر الصراع، وهو عروبة الأمة ومكوناتها الفكرية والثقافية التي ينهل الكل من ينابيعها المتدفقة.
لقد ظهرت على السطح الملتهب دعوات طائفية ومذهبية وإثنية وعرقية، بعد قرون من التفاهم الذي فرضه الاستقرار النسبي في العديد من الدول العربية. ولئن كانت الدعوات الصاخبة التي طالبت النظام العربي بالتخلص من تمترس الاستبداد في بعض الدول، قد حددت شعاراتها بالحرية والكرامة الاجتماعية، فإن الاضطراب الذي رافق مسارات الانتفاضات فاجأ الأمة بانفجار المستنقع الراكد بدعوات ليست ضمن المسار الشعبي، فبرزت دعوات مريبة لإقامة إمارات إسلامية، ودعوات لإعلان الخلافة، ومطالبات بالتقسيم، وخروج متمرد على الانتماء الثقافي للعروبة والإسلام معاً. وطالبت بعض الأعراق بخصوصيات اختلط فيها الحق بالباطل، وبدأت بعض وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث تطلق تسميات جديدة خارجة عن السياق مثل «حلف الأقليات»، وهو ما فاجأ الأغلبية السكانية بتحالفات مذهبية وإثنية رغم أن الشعارات التي نادى بها المتظاهرون الأوائل كانت شمولية وذات مفاهيم وطنية عامة.
ففي سوريا مثلاً عشنا عقوداً، بل قروناً، نفخر بما نسميه الوحدة الوطنية، وكانت موازين المساواة أمام القوانين تختل أحياناً، لكنها نادراً ما كانت تصل إلى صراعات دموية، كما حدث بين الموارنة والدروز في لبنان منتصف القرن التاسع عشر، وقد امتد الصراع إلى اللاذقية ودمشق، لكن موقف أهل السنة في سوريا حسم الأمر بمصالحات تاريخية أوقفت التدخل الأوروبي يومذاك، وقد برز في تلك الأحداث موقف عاقل برز فيه الأمير عبد القادر الجزائري مع قادة من كبار علماء المسلمين السوريين.
لقد كان مفجعاً أن تتجدد الصراعات الطائفية في لبنان خلال سبعينيات القرن الماضي، ولم تنجح كل المحاولات العربية والدولية في إطفاء جذوتها، بل أوصلت لبنان إلى حالة مفجعة من الانهيار السياسي والاجتماعي بسبب سيطرة حزب واحد على مقدرات البلاد، وهو حزب لا ينتمي إلى الأمة العربية، بل يعلن ارتباطه بمشروع سياسي خارجي يهدف إلى السيطرة والنفوذ في المنطقة تحت راية دينية. وقد امتد خطر الرايات الدينية المشبوهة إلى سوريا، وتحولت الشعارات المطروحة حول مشروعية سياقها الشعبي الإصلاحي والقانوني الإنساني، وبات الانفصام الاجتماعي محدداً بموازين الانتماءات الصغيرة، وليس بالموقف من العدالة والمساواة وسيادة القانون.
وأمام ما تشعر به الأغلبية الشعبية من خطر «تحالف الأقليات» لابد من موقف حاسم من حكماء الأمة، لبيان خطر هذا الانقسام المريع، فالتظاهرات السورية مثلاً لم تقم ضد طائفة أو فئة من فئات المجتمع، وإنما نادت في أولى صرخاتها بتغيير رئيس فرع أمني ومحافظ، ثم تصاعدت إلى مفاهيم الحرية والكرامة.
والسؤال الآن هو: كيف نستعيد مفهوم «الشعب السوري واحد»؟ وكيف ننهي هذا الشعور القاسي والمتضخم بالكراهية والبغضاء بين شرائح المجتمع، حتى داخل الشريحة الواحدة المنقسمة بين موالاة ومعارضة؟
إن الحلول العسكرية تفرض الإذعان والرضوخ، لكنها لا تفرض الوئام الاجتماعي الذي بدونه لا يمكن لأية دولة أن تنهض من عثراتها وأن تخطو نحو المستقبل بنجاح. ولن تتحقق المصالحات الاجتماعية في أية دولة تحت فوهات البنادق والمدافع، فلابد من إرساء قواعد العدالة. والشعب السوري متفق على ضرورة بقاء سوريا دولةً موحدةً، وألا تتعرض لأي اجتزاء أو تقسيم، والجميع مع سيطرة الدولة السورية على كامل ترابها، وعلى وحدة مجتمعها، ويرفضون كل الدعوات الانفصالية أو التقسيمية، ويرون أن ما يحدث في الشمال السوري حالة مؤقتة لا تملك مقومات الاستمرار ولا ينبغي أن تستمر، وهي رهن البدء بحل سياسي جاد وشامل، وهو ما تتطلع إليه كل دول العالم، وما أقره مجلس الأمن، وحين يتحقق سيبتهج الجميع بعودة سوريا إلى مكانتها السامية في مجتمعها العربي والإسلامي والدولي.