كان التعليم قبل كورونا موضوعا لأفكار متجددة، وبحوث متقدمة تستهدف تطويره، إلى جانب تجارب وتطبيقات تعزز ذلك، بما يستجيب لمتطلبات العصر، وبما يعزز كفاءة نشاطاته، وفاعلية معطياته. وكانت تقنيات العالم السيبراني قبل كورونا أيضا سائرة في طريقها إلى تقديم مزيد من المبتكرات نحو تفعيل التحول الرقمي، وتأثير ذلك في مختلف مهمات العمل في شتى مجالات الحياة، بما في ذلك مجال التعليم، وما يرتبط به. لكن كل ذلك كان يتم في إطار زمن مفتوح، ليس لضغوط الإنجاز فيه ضرورات دافعة وملحة، ولا جداول تنفيذ محددة وصارمة.
في بيئة الزمن المفتوح، وبعيدا عن الضرورات الدافعة والملحة، أي: ما قبل إنذارات كورونا مباشرة، وبالذات في كانون الثاني (يناير) عام 2020، قدم المنتدى الاقتصادي الدولي WEF توصيات غايتها تطوير التعليم، وبناء مدارس متطورة في المستقبل. وشملت هذه التوصيات، ثماني أفكار رئيسة تحدثنا عنها عرضا وتعليقا في المقال السابق الذي حمل عنوان: "مدارس المستقبل في أفكار متجددة". وشهد زمن ما قبل كورونا أيضا اهتماما بدور التحول الرقمي في التوسع في التعليم والتعلم مدى الحياة، حيث برزت أفكار وعقدت مؤتمرات، وظهرت وسائط رقمية ممكنة، وتطبيقات فاعلة مختلفة في هذا المجال. ومن أبرز المؤتمرات: مؤتمر عولمة التعليم العالي الذي عقد في مدينة تكساس الأمريكية عام 2014. ومن أبرز مؤسسات الوسائط الممكنة: مؤسسة زووم Zoom التي أسست عام 2011. ثم من أبرز التطبيقات الفاعلة: مؤسسة كورسيرا التي أسست عام 2012.
أدت أخطار كورونا إلى تغيير مشهد بيئة التطوير في الزمن المفتوح، ووضعت العالم في بيئة ضاغطة حرجة، حيث كان على الجميع التفكير في استمرار التعليم، مع المحافظة على التباعد الواقي من عدوى الفيروس الخبيث. وهكذا كان على الجميع حول العالم، تحت ضغط الضرورات الدافعة والملحة، اللجوء إلى الوسائط الرقمية الممكنة للتعليم عن بعد. وهكذا خبر العالم بأسره مكامن القوة ومواطن الضعف في هذا التعليم، وطرح موضوع التعليم الهجين الذي يدمج بين التعليم الرقمي عن بعد، ويلجأ عند الحاجة إلى التعليم المباشر في قاعات المحاضرات المعتادة.
في إطار استيعاب الأمر الواقع، وبيئة الضرورات الملحة تحت ضغط الفيروس الخبيث، ظهرت أفكار تنظر إلى التعليم من خلال أثر هذا الفيروس، خصوصا أن هذا الأثر بدأ قويا ثم تراجع بسبب ظهور اللقاحات المختلفة، ثم عاد إلى التهديد مستخدما سلاح قدرته على التحول والظهور بأشكال جديدة وإمكانات متجددة، لا يعلم الإنسان متى تنتهي، ولا كيف يستطيع السيطرة عليها. ومن أبرز هذه الأفكار في هذا المجال ما قدمه المنتدى الاقتصادي الدولي، حيث طرح أربعة متطلبات يحتاج إليها التعليم في المستقبل، نتيجة لتأثيرات كورونا عليه، والحاجة إلى التعامل مع هذه التأثيرات.
يتمثل المتطلب الأول في حاجة أطراف التعليم إلى الاتصال مع الإنترنت وعالمها السيبراني، وإلى المهارات اللازمة للاستفادة من هذا الاتصال. ولهذه المهارات طرفان، مهارات المدرسين من جهة، ومهارات الطلاب من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، تم إبراز إمكانات جيل الطلاب الموجودين حاليا والقادمين مستقبلا، ونشأتهم في العالم السيبراني، ومهاراتهم في التواصل عبر العالم السيبراني، التي باتت بالنسبة إليهم مهارات عفوية تلقائية لا غرابة فيها ولا حاجة إلى التدريب بشأنها. ويعبر عن هذا الأمر بالقول: إننا نشهد، في هذا العصر، ظهور ثقافة جديدة تشجع على التواصل والتعاون والشراكة المعرفية في الهوايات والأعمال المختلفة، والإبداع والابتكار. وإذا كان الطلاب كذلك، فإن على المدرسين أن يتمتعوا بالمهارات اللازمة للاستجابة إلى هذه الثقافة في تنفيذ العملية التعليمية.
ويأتي المتطلب الثاني، مكملا لما سبق، وموجها للصفات التي ينبغي على كل مدرس أن يتحلى بها. ويطرح المتطلب في هذا المجال أربع صفات رئيسة: أولها صفة الصمود أمام المصاعب، والمقصود بهذه الصفة: قدرة المدرس على التعامل مع المصاعب دون أن يستسلم لها، أو يسمح لها بالتأثير في عمله أو مستوى أدائه. أما الصفة الثانية فهي المرونة مقرونة بالقدرة على التكيف. وإذا أردنا توصيف المقصود بذلك، نستطيع القول: إنه القدرة على إيجاد حلول وسط والقبول بها، عندما تتعقد الأمور في المسائل الخلافية من جهة، إضافة إلى القدرة على الاستجابة للمتغيرات والمعطيات القائمة في البيئة المحيطة من جهة ثانية.
ونأتي في إطار المتطلب الثاني إلى الصفة الثالثة للمدرس، وهي صفة حرصه على التعلم المستمر كي يكون قادرا على التفاعل مع تجدد معطيات العصر، والتواصل مع طلابه الذين يفترض أن يكون مرجعا معرفيا ومرشدا حكيما لهم. ونصل إلى الصفة الرابعة والأخيرة للمدرس، وهي صفة تنظيم المشاريع، حيث تتضمن هذه الصفة، قدرة المدرس على التعلم، والتركيز، ووضع استراتيجيات لعمل الطلاب، والتواصل، والإقناع، فضلا عن تمتع المدرس بشخصية تتسم بالاستقرار العاطفي.
ويقضي المتطلب الثالث بالاهتمام بمهارات المستقبل، وتماثل هذه المهارات تلك التي تم طرحها من قبل المنتدى الاقتصادي الدولي، قبل أخطار كورونا، وذلك في موضوع مدارس المستقبل الذي تحدثنا عنه في المقال السابق. وتشمل أبرز هذه المهارات: الإبداع والابتكار، ومهارات التواصل والتعاون، وما يرتبط بالتوافق الثقافي على مستوى العالم، والشركة والعمل كفريق. ونصل أخيرا إلى المتطلب الرابع الذي يتوافق مع المتطلب الأول في تأمين الاتصال للجميع من جهة، ويدعو إلى الانفتاح على التقنية المتجددة من أجل استخدامها والاستفادة منها في التعليم من جهة أخرى.
وهكذا نجد أن أفكار تطوير التعليم كانت مطروحة قبل أخطار كورونا، لكن دون ضغوط ملحة لوضعها موضع التنفيذ، ثم أثرتها بيئة أخطار كورونا بالمزيد، ليس في موضوع التقنية وضرورة استخدامها والاستفادة منها فقط، بل بما يشمل تطوير مهارات المعلم، وتفعيل أفكار التطوير التي طرحت قبل كورونا، كل ذلك في إطار بيئة ضغوط تتسم بالإلحاح والمتابعة.

مواضيع قد تهمك :