قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في وثائقي «نقطة التحول: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب» تبدو الأسئلة المطروحة حول الإرهاب ودوافعه أكثر دقة وحيوية؛ ربما منحتنا خبرة السنين في التعامل مع الحالة الإرهابية فضاءً واسعاً لطرح المحاور السياسية والأخلاقية والفلسفية والقانونية. نلاحظ أن آراء المعلقين في الفيلم متفاوتة، ولا ننسى أن الإرهاب خلق شظايا من الآراء المتعددة لا تنحصر في الاضطراب داخل المدرسة الدينية والإسلامية السنية والشيعية، بل في المجالات الفكرية والفنية والفلسفية. ثمة من تغنى فنياً بلحظة الارتطام في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ومن اعتبرها رسمة خارقة، والآخر يراها ضربة مبهرة في قلب الإمبراطورية «الإمبريالية» الغاشمة. التحليلات طويلة، ولكن المهم أن نعترف مبدئياً أن الإرهاب فرض نفسه ضمن الحقول البحثية المتشابكة مع علوم الاجتماع وسجالات الأفكار، له مفاهيمه وأسئلته ومضامينه، لقد احتل مساحة قوية في ساحات البحث الأكاديمي والفكري بل والفني، فكما أن للإرهاب موقفه من الفن، فللفن دوره وقوله في مجال الإرهاب.
من ضمن الموضوعات التي لا بد من نقاشها، فكرة ربط «الإرهابي» بـ«العدمية»، أو تسمية الحالة كلها بـ«الإرهاب العدمي»، أظنها متجذرة في الخطاب التحليلي الأوروبي، ومنه الفرنسي تحديداً، حيث يسمي أوليفيه رو الإرهابي بالعدمي، يقارن بين العدميين من «داعش»، وبين مقابلهم من اليمين المتطرف حين يقول: «بعض أفراد اليمين المتطرف يتبنون العنف الآن، مثل بريفيك، مرتكب هجمات عام 2011 في النرويج. يعتقد هؤلاء أننا مُنحنا الفرصة الأخيرة قبل نهاية العالم، ويجب حمل السلاح، ونلاحظ أيضاً ارتباطات مثيرة للفضول بين النموذج الإرهابي الإسلامي المتطرف، والذين ينفذون الهجمات الدامية في المدارس الأميركية». وهي صيغة بدت مألوفة ومستساغة في البحوث والتحليلات، وقد وجدتُ الأمير تركي الفيصل استخدمها في كتابه الكبير والمهم «الملف الأفغاني» يقول عن تنظيم «داعش»: «ظهر نوع من التفكير العدمي غير المرتبط بأي قضية وطنية الذي يوجه هؤلاء الأشخاص عند أسلافهم من الإرهابيين». (الملف الأفغاني: ص16).
تأملتُ كثيراً في هذا الربط، وقد وقع بمثيله مجموعة من المحللين الغربيين لظاهرة الإرهاب، وجلهم ينطلق في تحليله من أرضية فكرية مناوئة للحكومات العربية مما يجعل تحليلهم للإرهاب أقرب منه للقراءة السياسية من الفحص الفكري والمفهومي، لذلك ينزعون نحو وضع الإرهاب في خانة «العنف العدمي» الممارَس في العالم منذ القدم. النزعة اليسارية لدى العديد من بعض المحللين الفرنسيين تجعل قراءتهم للإرهاب لا تنفصل عن مخيالهم العامي عن الحكومات باعتبارها «استبدادية» ومن مسببات الإرهاب ومنشطاته. ولكن في كل الأحوال أظن أن أكبر دافع للربط بين الإرهاب والعدمية تصور الإرهاب بوصفه «العنف» من دون الإحاطة بما حول العنف وقبله وبعده من شبكات وشرك وأشواك، فالإرهاب أعم وأبعد وأكبر من العنف بدرجات. حين نقرأ تحليل حنة أرندت في كتابها «في العنف» نعثر على تحليلاتٍ معمقة عن «العنف السياسي» البحت، وهذا وارد فيه البعد العدمي بالمعنى الفلسفي، لأن العدمية ردة فعل شرسة ضد أنماطٍ من النظريات وسلاسل من الأفكار، قل مثل ذلك عن كتاب مهم بعنوان «قراءة في تاريخ العنف بالشرق الأوسط، من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة» من تأليف حميد بوزارسلان، أستاذ الدراسات العليا في جامعة باريس، حيث درس الجماعات المتطرفة ضمن خط جماعات العنف في المنطقة يهودييها وعلمانييها ويسارييها.
لنتحدث قليلاً عن العدمية، الذي خصص لها داريوش شايغان، فرعاً من كتابه «ما الثورة الدينية؟» لأختصر قوله الطويل بالتالي: «قد يكون جاكوبي أول من استعمل مصطلح العدمية عندما اتخذ موقفاً مناهضاً للمثالية الألمانية. وبالنسبة إليه، كان عقل المثالية (Vernunft) عقلاً لا يدرك إلا ذاته، وهكذا فالمثالية لن تكون شيئاً آخر غير العدمية، وقد كتب جاكوبي في رسالة له عام 1799: «حقاً يا عزيزي فيخته، إذا كنت أنت أو أي أحدٍ آخر يفضل أن ينعت بالوهمية ما عارضتُ به المثالية التي أدينها بقوة باعتبارها عدمية، فهذا ما ليس من شأنه أن يغيظني. وجد جاكوبي آثار هذه الظاهرة لدى كانط وحتى لدى سبينوزا وفيخته وشيلينغ». ينتقد جاكوبي منهاج المثالية في البحث الميتافيزيقي، إذ تحيل إلى العقل وحده لا إلى الإيمان، فالإرادة التي تختزل البحث في العقل ومقولات الذهن من دون الالتفات إلى «نداء القلب» تحمل في طياتها بذرة العدمية، يعلق شايغان: «العدمية هي إذن هذا الانفصال بين الإيمان والمعرفة، وهي نظرية خصبة سيستعيدها بالدرس فرانز فون بادر، الذي استبق نظريات نيتشه الانقلابية، عندما توصل هذا الأخير، وهو واعٍ بقيمة العمل الناجز لنفي العقل... لقد ظهرت العدمية بمفهومها النظامي حسب إرنست بانز في كتابات فرانز فون بادر الذي يرى أن الجذر الروحي للكارثة الغربية، كما للثورة الفرنسية ولنابليون، يكمن في القطيعة بين الإيمان والمعرفة، كما ظهرت بشكلٍ تدريجي ابتداءً من الأنسية والإصلاح الديني (البروتستانتي) وقد قادت هذه القطيعة، من ناحية، إلى النزعة الإلحادية في العلوم الطبيعية، ومن ناحية أخرى، إلى معاداة علم اللاهوت للعلم بعد أن كان يقوم من قبل على المقدمات والعقائد نفسها التي تؤسس العلوم».
بمعنى آخر فإن للعدمية - يضيف شايغان - وجهين: «العدمية المنفعلة والعدمية الفاعلة، والعدمية المنفعلة هي الوعي بأن كل شيء عديم الجدوى، فعنفوان الفكر يتعب إلى درجة أن الغايات والقيم السابقة لا تعود ملائمة له، ولا تعود لها مصداقيتها، إلى حد تفكك التركيب (وهو الأس الذي تقوم عليه أي حضارة قوية) وتصادم القيم المعزولة. إنه التحلل. أما العدمية الفاعلة فتنطلق حينما تتأكد من عجز إرادة قوة الماضي»، وعدمية نيتشه مثال على العدمية الفاعلة عبر إرادة القوة وقلب أولوية العقل يقول نيتشه: «الاعتقاد بمقولات العقل هو قضية العدمية، فقد قسنا قيمة العالم بحسب المقولات التي لا تنطبق إلا على عالم وهمي محض».
من هذه الخلاصة المفهومية، نعتبر ربط العدمية بالإرهاب، أو وصف الإرهابي بالعدمي، فيه تسرع وصفي كبير، فالعدمية تحمل في طياتها خطاطاتٍ ومقولاتٍ تتعلق بالوجود والمُثل والأفكار. وعلى سبيل الإدانة والإضراب، إنه منهج نزاع نحو الانكفاء والاندثار بشكلٍ احتجاجي ضمن دوافع مبنية على مفاهيم «الشك، عبثية الوجود، رفض القيم»، وهذا منتفٍ وجوده لدى الإرهابي. إن توفر الإرهابي على «انعدام الإيمان بالدنيا، أو عدم مبالاته بالناس، أو انعدام التأثر بالمحيط» لا يعني العدمية بالمعنى الدقيق. إن الإرهابي لا يشعر بـ«عدم الجدوى»، بل يشعر بأن «جدوى وجوده تعني أن يجند ثم يستشهد»، إنه يشعر بالجدوى من وجوده، من هنا يحدث الخلل الكبير في وصفهم بـ«العدميين»، إن الإرهابي لا يمكن أن يوصف بطريقة دقيقة إلا حين نصفه بالإرهابي من دون الاضطرار لخلع أوصافٍ ذات بعد «مأساوي وجودي» أو احتجاجي سياسي، كما هو الاستخدام الشائع لمفهوم العدمية في التحليلات والأبحاث. هذه الكتابة لعلها مساهمة للمتخصصين بغية التدقيق والتحقيق بمفاهيم متداولة، ويمكن البناء عليها والانطلاق منها نحو رصد أوصافٍ أخرى عديدة.